تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب

[يونس: 5] الآية، وقوله تعالى: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ﴾ هذا اسم مصدر والإتيان به ههنا أحسن، ﴿ ثم يعيدكم فيها ﴾ أي إذا متم ﴿ ويخرجكم إخراجا ﴾ أي يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة، ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ﴾ أي بسطها ومهدها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات، ﴿ لتسلكوا منها سبلا فجاجا ﴾ أي خلقها لكم لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها، ينبههم نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق جعل السماء بناء، والأرض مهادا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد.

71.21-24

يقول تعالى: مخبرا عن نوح عليه السلام، أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا من غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج لا إكرام، ولهذا قال: ﴿ واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ ومكروا مكرا كبارا ﴾ قال مجاهد: ﴿ كبارا ﴾ أي عظيما، وقال ابن زيد: ﴿ كبارا ﴾ أي كبيرا، والعرب تقول: أمر عجيب وعجاب وعجاب، بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد، ﴿ ومكروا مكرا كبارا ﴾ أي باتباعهم لهم وهم على الضلال، كما يقولون لهم يوم القيامة:

بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا

[سبأ: 33]، ولهذا قال ههنا: ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما (ود) فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما (سواع) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمدان، وأما (نسر) فكانت لحمير لال ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. وقال ابن جرير عن محمد بن قيس ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسرا ﴾ قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم، لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، وقوله تعالى: ﴿ وقد أضلوا كثيرا ﴾ يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها إلى زماننا هذا، في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل عليه السلام في دعائه:

واجنبني وبني أن نعبد الأصنام

[إبراهيم: 35]. وقوله تعالى: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله:

ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم

[يونس: 88] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٧٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٧٨٢