وقد روى ابن جرير، عن ابن عباس
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: " قل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا " وكانت (هند بنت عتبة بن ربيعة) التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء، فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال؟ فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعمر: " قل لهن: " ولا يسرقن " ، قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا، قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفها، فقال: " ولا يزنين " ، فقالت: يا رسول الله وهل تزني امرأة حرة، قال: " لا والله ما تزني الحرة " قال: " ولا يقتلن أولادهن " ، قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: ﴿ ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ﴾ قال: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور "
، وقال مقاتل بن حيان:
" أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء يحلفهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر بقيته كما تقدم، وزاد: فلما قال: " ولا تقتلن أولادكن " قالت هند: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى ".
فقوله تعالى: ﴿ يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك ﴾ أي من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها، على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن أموال الناس الأجانب، وقوله تعالى: ﴿ ولا يزنين ﴾ كقوله تعالى:
ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا
[الإسراء: 32]. وقال الإمام أحمد، عن عروة عن عائشة قالت:
" جاءت (فاطمة بنت عتبة) تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها ﴿ أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ﴾ الآية قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذا، فبايعها بالآية "
، وقوله تعالى: ﴿ ولا يقتلن أولادهن ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه، وقوله تعالى: ﴿ ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ﴾ ، قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود، عن أبي هريرة
" أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين " ".
وقوله تعالى: ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ يعني فيما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر، عن ابن عباس قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء، وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف، وقد قال غير واحد: نهاهن يومئذ عن النوح، وعن الحسن قال كان فيما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه، وقال ابن جرير، عن أم عطية الأنصارية قالت:
" كان فيما اشترط علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك "