فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه، لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا ﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله تعالى ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم، وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة، وقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع أو الإمساك وعنه أنه الجماع، وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريما لا يرفعه إلا الكفارة، وعن سعيد بن جبير ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ يعني يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج وكان لا يرى بأسا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر.
وقال ابن عباس: ﴿ من قبل أن يتمآسا ﴾ والمس النكاح. وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر، وقد روى أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس
" أن رجلا قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: " ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل " "
وقوله تعالى: ﴿ فتحرير رقبة ﴾ أي فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي رحمه الله ما أطلق ههنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، وقوله تعالى: ﴿ ذلكم توعظون به ﴾ أي تزجرون به، ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ أي خبير بما يصلحكم ﴿ عليم ﴾ بأحوالكم، وقوله تعالى: ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ﴾ قد تقدمت الأحاديث الآمرة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان ﴿ ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ أي شرعنا هذا لهذا، وقوله تعالى: ﴿ وتلك حدود الله ﴾ أي محارمه فلا تنتهكوها. وقوله تعالى: ﴿ وللكافرين عذاب أليم ﴾ أي الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم أي في الدنيا والآخرة.