وقوله تعالى: ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله، فعظموه ووقروه، وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال سبحانه:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت والأرض ومن فيهن
[المؤمنون: 71]، وقوله عز وجل: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ﴾ أي حببه إلى نفوسكم، وحسنه في قلوبكم، عن أنس رضي الله عنه قال:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الإسلام علانية والإيمان في القلب " ، ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: " التقوى ههنا، التقوى ههنا "
، ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾ أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار، والعصيان وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: ﴿ أولئك هم الراشدون ﴾ أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم، عن أبي رفاعة الزرقي، عن أبيه قال:
" لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استووا حتى أثني على ربي عز وجل " ، فصاروا خلفه صفوفا، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، اللهم أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق " "
وفي الحديث المرفوع: " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " ، ثم قال: ﴿ فضلا من الله ونعمة ﴾ أي هذا العطاء الذي منحكموه، هو فضل منه عليكم، ونعمة من لدنه ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.