تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، قال: وأنزل الله تعالى: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ الآية.

وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين، كذلك فقد نهى الله عز وجل عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.

وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام، لأنه محترم حيا، وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائما، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ﴾ ، كما قال تعالى:

لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا

[النور: 63]، وقوله عز وجل: ﴿ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح:

" إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض "

، ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك ورشد إليه ورغب فيه، فقال: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾. وعن مجاهد قال: كتب إلى عمر، يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٦١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٦١٩