تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون بَرَدَ بِمَعْنَى ضَعُفَ وَفَتُرَ. يريد به أَمْرَ قُرَيْشٍ والخارجين في أَثَرِهِ من الطَّلَبِ، يُقَالُ: جَدَّ فُلَانٌ فِي الأَمْرِ ثُمَّ بَرَدَ، أَيْ فَتُرَ وَاسْتَرْخَى. ويقال ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى بَرَدَ، أَيْ مَاتَ وَسَكَنَ.

وقوله خَرَجَ سَهْمُكَ: مَعْنَاهُ الْفَلْجُ وَالظَّفَرُ، وَأَصْلُهُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا اسْتَهَمُوا عَلَى شَيْءٍ يَتَدَاعونَهُ أَجَالُوا السِّهَام، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ مِنْهُمْ حَازَهُ دُونَ أَصْحَابِهِ، أَيْ ظَفِرَ بِهِ.

وفي الحديث: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (١)

الْبَرْدَانِ: الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ وَهُمَا الأَبْرَدَانِ، وَقِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ، لِطِيبِ الْهَوَاءِ وَبَرْدِهِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَهُمَا صَلَاةُ الصُّبْحِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقِيلَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ؛ لأَنَّهَا فِي وَقْتِ اشْتِغَالِ الْخَلْقِ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.

وفي الحديث: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٢) مَعْنَاهُ أَخِّرُوهَا عَنْ وَقْتِ الْهَاجِرَةِ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحَرُّ قَلِيلًا، وَيَنْكَسِرَ وَهَجُ الشَّمْسِ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَسُمِّيَ إِبْرَادًا بِالإِضَافَةِ إِلَى الْهَاجِرَةِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْمُؤَوِّلِينَ عَلَى الإِسْرَاعِ، كَأَنَّهُ قَالَ: صَلُّوهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا تُدْرِكُوا

(١) أخرجه البخاري في المواقيت باب فضل صلاة الفجر عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه ١/ ١٤٤، ومسلم في كتاب المساجد باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما عن أبي بكر ١/ ٤٤٠.

(٢) أخرجه البخاري في كتاب المواقيت باب الإبراد بالظهر في السفر عن أبي ذر ١/ ١٣٦، وأبو داود في كتاب الصلاة باب وقت صلاة الظهر عن أبي ذر ١/ ١١٠، والترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر عن أبي هريرة ١/ ٢٩٥، والحاكم في المستدرك عن صفوان بن مخرمة ٣/ ٢٥١.

مجمع الغرائب ومنبع الرغائب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الغرائب ومنبع الرغائبج ٢ · ص ٥٤