وليس ما صنعاه نحوا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، إنما هي إشارات، وتنبيهات، وملحوظات؛ كانت تدور تحت سماء المدينة وغيرها، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فأضاف علي وصاحبه إضافات مهمة، جعلت الناس ينسون ما كان قبلهما، ويعزون هذا العلم لهما، أو لأحدهما.
ولو أخذنا بحجة انشغال الخليفة علي بتصريف أمور الدولة، لأنكرنا كثيرا مما أثر عنه من فنون القول والحكمة، مما فاضت به كتب التراجم والطبقات، وجمع بعضه في كتاب نهج البلاغة، وذلك أو أكثره يحتاج في صياغته إلى التأمل والوقت.
وكيف نستكثر على علي أن يضيع شيئا من مبادئ النحو أو يرشد إليها، وهو من أكثر الصحابة علما وأشدهم ذكاء، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه ".
فعلي رجل القضاء والفقه والرواية والخطابة، وما روي عن ريادته في النحو ليس تأليفا مكتملا يستغرق الوقت، ولكنه لفتة من بداهة السليقة.
ثانيا: أبو الأسود الدؤلي (ت 69ه)
ذهب بعض الرواة إلى أن أبا الأسود هو أول من استنبط النحو، وأخرجه من العدم إلى الوجود.
قال ابن سلام: "وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدؤلي ... فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم".
وقال ابن قتيبة: "إن أبا الأسود هو: "أول من عمل في النحو كتابا".