وهكذا أصبحت العربية من الدين، وغدا تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة من أجل القربات إلى الله، ونظر بعض العلماء إلى تعلمها على أنه فرض واجب.
وفي هذه البيئة العلمية نمت المعارف في المدينة واهتدى القراء إلى ملحوظات متناثرة في الأصوات والغريب والنحو، وكانت ملحوظاتهم في النحو نواة العمل النحوي فيما بعد.
وعلى هذا يمكن القول: إن النحو العربي الذي اكتمل بنيانه في البصرة والكوفة فيما بعد هو ثمرة من ثمار الدراسة القرآنية التي نبتت وترعرعت في المدينة.
وثمة أسباب ودوافع أخرى أسرعت بعلم النحو إلى الظهور، ثم النضج؛ذكرها بعض الباحثين المعاصرين، وهي لا تكاد تخرج عما ذكرناه في هذا البحث، فيطيب لبعضهم أن يذكروا إلى جانب الدافع الديني دوافع بعضها قومي عربي، وبعضها الآخر اجتماعي.
فأما الدافع القومي فيرجع إلى اعتزاز العرب بلغتهم وخشيتهم عليها من الفساد أو الفناء أو الذوبان في اللغات الأعجمية.
ويتمثل الدافع الاجتماعي في بعد العرب عن البادية، مهد لغتهم الأول، وفساد سلائقهم، بعد اختلاطهم بالأعاجم، في الأمصار، والبيوت، والأسواق، والجيوش، وسائر المرافق العامة والخاصة، إضافة إلى انتشار التسري بالأعجميات أو التزوج بهن، فنتج عن ذلك أمور منها نشوء أجيال من العرب من أمهات غير عربيات، وتأثرهم بهن ففشا اللحن على ألسنتهم وانتشر نتيجة لذلك.
وهذا الذي ذكروه يعود في جملته إلى ما ذكرناه - فيما تقدم - كاللحن في اللغة، وزحفه إلى القرآن، والرغبة في درس نصه المقدس، والكشف عن أسراره.
---
(1) مراتب النحويين 55.
(2) ينظر: معجم الأدباء5/2150.
(3) ينظر: المزهر 2/414.
(4) إنباه الرواة 2/172.
(5) ينظر: البيان والتبيين 1/146.
(6) مراتب النحويين 156.
(7) العربية ليوهان فك75، 76.
(8) نفسه 77.
(9) نفسه 78.