وتدل الروايات التي أوردنا شيئا منها على إلمام النبي - صلى الله عليه وسلم -وصحابته في المدينة إلماما فطريا بالتراكيب النحوية، والإعراب بخاصة، وقد كانوا على قدر من الإدراك بأصول الكلمات واشتقاق الألفاظ، هدتهم إليه سلائقهم اللغوية النقية، وسماعهم ما يخالفها من لحن.
روى ابن جني ما حكي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد جاءه قوم من العرب،. فسألهم عليه السلام، فقال: من أنتم؟ فقالوا: بنو غيان، فقال: بل أنتم بنو رشدان، قال ابن جني معقبا: "أولا تراه - صلى الله عليه وسلم - كيف تلقى (غيان) بأنه من الغي، فحكم بزيادة ألفه ونونه، وترك عليه السلام أن يتلقاه من باب (الغين) وهو إلباس الغيم من قوله:
كأني بين خافيتي عقاب
تريد حمامة في يوم غين
يدلك على أنه - صلى الله عليه وسلم - تلقاه بما ذكرنا أنه قابله بضده، فقال: بل أنتم بنو رشدان، فقابل الغي بالرشد، فصار هذا عيارا على كل ما ورد في معناه.
وتدل الروايات على إلمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأساليب اللغة ودقائقها التعبيرية، وكان من أشد الناس حرصا على نقائها، وسلامة أساليبها، وكان يحث على تعلمها، فقد روي عنه قوله: "تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة".
وروي عنه - أيضا - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن مر من قبلك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام".
والعربية هذه هي عربية المصطلح القديم التي تقابل في مدلولها كلمة النحو، لأنها تدل - كما يفهم من قول عمر - على صواب الكلام، أي يهتدي بها إلى صواب الكلام.