الله بالاصطفاء، وخصه بشرف الاجتباء، ومكن له فى بلاده ، فامتدت أفيام عدله ، واستخلفه في أرضه ، كما استخلف أباه من قبله ، وأيده بما استرعاه أباه بهدايته وإرشاده، وأمده بما استحفظه عليه ، بمواد توفيقه وإسعاده ، ذلك هدى ال يهدى به من يشاء من عباده ، فلم يزل لأعلام الدين رافعا ، ولشبه المضلين دافعا، ولراية العدل ناشرا ، وبالندى غامرا ، وللعدو قاهرا . إلى أن استوفى المدق الالحسوبة ، وبلغ الغاية الموهوبة ، فلو كانت الفضائل تزيد الأعمار، أو تحمى من ضروب الأقدار ، أو تؤخر ما سبق تقديمه فى علم الواحد القهار ، لحمى نفسه النفيسة كريم مجدها وشريف سمتها ، وكفاها خطير منصبها ، وعظيم هيبتها وقتها أفعالها التى تستقى من منبع الرسالة ، وصانتها خلالها التي ترتقى إلى طلع الجلالة ، لكن الأعمار محررة مقسومة ، والآجال مقدرة معلومة ، لله تعالى يقول ، وبقوله يهتدى المهتدون : (* ولكل أمة أجل فإذاجاء أجلهم لا ستأخرون ساعة ولا يستقدمون *).
أمير المؤمنين يحتسب عند الله هذه الرزية التى عظم أمرها وفدح ، وجرح خطبها وقدح، وغدت لها القلوب واجفة ، والأمال كاسيفة، ومضاجع السكون نقضة، ومدامع العيون مرفضة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون صبرا على بلائه سليما لأمره وقضائه ، واقتداء بمن أثنى عليه في الكتاب (* إنا وجدناه صابرا نغم العبد إنه أواب *).
وقد كان الإمام المستعلى بالله ، قدس الله روحه عند نقلته ، جعل لى عقد الخلافة من بعده ، وأودعنى ما حازه من أبيه عن جده ، وعهد إلى أن أخلفه فى ال العالم ، وأجرى الكافة فى العدل والإحسان على منهجه المتعالم ، وأطلعنى من ال العلوم على السر المكنون ، أفضى إلى من الحكمة بالغامض المصون ، وأوصانى بالعطف على البرية والعمل فيهم بسيرتهم المرضية ، على علمه بما جبلنى لله عليه من الفضل ، وخصنى به من إيثار العذل ، وإننى فيما استوعيته سالك