كم ناقة قد وجات منحرها ... بمستهل الشؤبوب أو جمل
قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء.
قال محمد لن زكريا: اجتاز نصيب مرة بالسيالة، وبها منزل ابن هرمة، فناداه: يا أبا إسحاق، فخرجت إليه بنته مذعورة، فقال: أين أبوك؟ قالت: راح لحاجة انتهز برد الفيء، قال: فهل من قرئ؟ قالت: لا والله، قال: ولا جزور ولا شاة؟ قالت: لا والله، ولا دجاجة ولا بيضة، قال: قاتل الله أباك ما أكذبه إذ يقول: من المنسرح
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قصيرة الأجل
إني إذا ما البخيل أمنها ... باتت ضموزا مني على وجل
قالت: فعله والله ذاك بها، أقلها عندنا.
قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: وفي هذه السنة يعني سنة خمس وأربعين ومئة تحول المنصور إلى مدينة السلام، واستتم بناءها سنة ست وأربعين، ثم كتب إلى أهل المدينة أن يوفدوا عليه خطباءهم وشعراءهم، فكان فيمن وفد عليه إبراهيم بن هرمة.
قال: فلم يكن في الدنيا خطبة أبغض إلي من خطبة تقربني منه، واجتمع الخطباء والشعراء من كل مدينة، وعلى المنصور ستر يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب حاجبه قائم، وهو يقول: يا أمير المؤمنين، هذا فلان الخطيب، فيقول: اخطب، ويقول: هذا فلان الشاعر، فيقول: أنشد، حتى كنت آخر من بقي؛ قال: يا أمير المؤمنين هذا ابن هرمة؛ فسمعته يقول: لا مرحبا ولا أهلا، ولا أنعم الله بن عينا؛ فقلت: " إنا لله ون إليه راجعون " ذهبت والله نفسي، ثم رجعت إلى نفسي