قال تعالى في أول سورة النساء: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾، قال الْمفسِّرون جميعاً فيما نعلم: الخطاب للأوصياء والأولياء، والمراد بإيتاء الأموال: إمَّا تركها سالمة غير مُتعرَّض لها بسوء، وإما الإيتاء بالفعل، والمراد باليتامى: إمَّا معناه اللغوي؛ فيشملُ الكبار والصغار فهو حقيقةٌ في ذلك واردٌ على أصل اللغة، وإمَّا مجازٌ باعتبار ما كان؛ لأنَّ إيتاء المال بالفعل إنما يكون بعد البلوغ، ثمَّ قال تعالى في تلك السورة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، قال المفسِّرون: هذا رجوعٌ إلى بيان بقية الأحكام المتعلِّقة بأموال اليتامى، وتفصيل ما أُجملَ فيما سَبَقَ من شرط إيتائها، وكيفيته إثر بيان الأحكام المتعلِّقة بالأنفس - أعني الزواج -، وبيان بعض الحقوق المتعلِّقة بالأجنبيات، من حيث النفس ومن حيث المال استطراداً؛ إذ الخطاب كما يدلُّ عليه كلام عكرمة للأولياء، وصرَّح هو وابن جبير بأن المراد من ﴿السُّفَهَاءَ﴾: اليتامى، ومن ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾: أموالهم. ثمَّ قال عزَّ من قائلٍ بعد ذلك: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
قال شيخ الإسلام: «إنَّ هذا شروعٌ في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء» ... وأيَّاً كان: فقد أطبقَ المفسِّرون على أن الابتلاء معناه الاختبار، وعلى أنَّ معنى الآية: واختبروا مَن عندكم من اليتامى بتتبُّع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال، وحسن التصرُّف فيها، وجرِّبوهم بما يليق بحالهم. غير أنَّ أبا حنيفة قد اقتصر في الاختبار على الاهتداء إلى ما ذكر.
وزاد الشافعي على هذا الاهتداء: الاهتداء إلى الصلاح في الدين، واتفق الإمامان {على أنَّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. وظاهر الآية يشهدُ لهما لِما تدلُّ عليه ﴿حَتَّى﴾ التي هي للغاية، غير أنهما اختلفا في طريق الاختبار، فقال أبو حنيفة: يكون ذلك بإذن الولي أو الوصي لليتيم في أن يُباشر البيع والشراء مثلاً.