تأويل قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية
قال الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ وهذا مما قد اختلف في قراءته، فقرأ قوم كما تلونا وقرأه قوم: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما فمن قرأه: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ، عائشة وسنذكر ذلك عنها بأسانيده في
هذا الباب إن شاء الله وممن قرأه: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما "، ابن عباس كما قد حدثنا
1301 - يوسف بن يزيد، قال: حدثنا حجاج بن إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " وقد روي عن أنس هذا أيضا كما:
1302 - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم بن سليمان، قال: قرأت عند أنس: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ، قال أنس: " ألا يطوف بهما " وقد روي عنه خلاف هذا مما توافق القراءة الأولى، وسنذكر ذلك بأسانيده في هذا الباب إن شاء الله وقد يجوز أن يرجع معنى هاتين القراءتين جميعا إلى معنى واحد
، لأن العرب قد تصل ب: لا، كما قال عز وجل: ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ وكما قال عز وجل: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ ، وكما قال الله عز وجل: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ ، في معنى: أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، وأقسم بمواقع النجوم، وأقسم برب المشارق والمغارب وكان سبب نزول هذه الآية في ما روي عن عائشة ما
1303 - قد حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، أن مالكا، حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذ حديث
السن: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ، فما نرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما؟ قالت عائشة: " كلا، لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح ألا يطوف بهما، إنما أنزل في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ "
1304 - وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، " أن مناة كانت على ساحل البحر وحولها الفروث والدماء، يذبح لها المشركون، فقال الأنصار: يا رسول الله، إنا كنا إذا أحرمنا في الجاهلية لم يحل لنا في ديننا أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ " قال عروة: أما أنا فلا أبالي ألا أطوف بين الصفا والمروة قالت عائشة: " لم يا بن أختي؟ " قال: لأن الله عز وجل يقول: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فقالت عائشة: " لو كان كما تقول لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " قالت عائشة: " ولعمري ما تمت حجة أحد، ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة " فزاد حديث حماد هذا عن هشام، على حديث مالك عن هشام الذي ذكرناه قبله في هذا الباب، قول عائشة: " ما تمت حجة أحد، ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة "
وذلك مما لا يكون مأخوذا من جهة الرأي، وإنما يؤخذ من جهة التوقيف فقول عائشة هذا دليل على وقوفها على وجوب الطواف بين الصفا والمروة في الحج والعمرة جميعا وأما قولها لعروة: " لو كانت كما تقول لكانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما "، فذلك عندنا قد يحتمل أن لو كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، أن يكون ذلك على معنى الصلة التي يرجع بها المعنى إلى قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾