تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك: " فمن كان ليس معه هدي فليحلل، وليجعلها عمرة "، أي لأنه في غير عمرة فهذه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بينت لنا في هذا الحديث ما كان دخل فيه من الإحرام، وما كان أصحابه دخلوا فيه منه، وأنه كان في حج، لا في عمرة، وأنهم فسخوا ذلك الحج بأمره إياهم بذلك حتى صيروه عمرة، فصاروا في حرمة عمرة، لا في حرمة حجة، وصار من ساق منهم الهدي لإحرامه في حكم من أراد التمتع، وساق الهدي له، فلا يحل من عمرته إلا مع إحلاله من حجته

وفيه أيضا سؤال سراقة النبي صلى الله عليه وسلم: أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ وجواب النبي صلى الله عليه وسلم إياه عن ذلك بما أجابه به عنه، فدل ذلك أن تلك العمرة لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك كما قال ابن عباس، ولو كانوا يعرفونها إذا لقال صلى الله عليه وسلم لسراقة: العمرة الآن على ما كانت عليه من قبل ففي تركه ذلك، وإجابته إياه بالجواب الذي ذكرنا دليل على أنه قد كان حدث منه في العمرة حينئذ حكم لم يكونوا يعرفونه منه فيها قبل ذلك وقد روى عطاء بن أبي رباح عن جابر حديث محمد بن علي بن حسين عن جابر، غير أنه قد زاد عليه فيه معنى

1284 - وذلك أن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، حدثنا، قال: حدثنا علي بن معبد العبدي، قال: حدثنا موسى بن أعين الجزري، عن خصيف، عن عطاء، عن جابر، قال: " لما قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع، سأل الناس: " بماذا أحرمتم؟ " فقال أناس: أهللنا بالحج وقال آخرون: قدمنا متمتعين وقال آخرون: أهللنا بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان قدم ولم يسق هديا فليحلل، فإني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي حتى أكون حلالا " فقال سراقة بن مالك بن جعشم: " يا رسول الله، عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: بل لأبد الأبد " ففي هذا الحديث سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن إحرامهم، ما هو؟ وإخبار بعضهم إياه أنه بالحج خاصة، وإخبار بعضهم إياه أنه بالتمتع، وإخبار بعضهم إياه أنه بما أهل هو صلى الله عليه وسلم به، وأمره من كان منهم لم يسق الهدي بالإحلال ففي ذلك ما ينفي حديث عروة الذي رويناه عنه، عن عائشة في هذا الباب من حديث الزهري، ودليل على أن المعنى كان في ذلك كما رواه غيره عن عائشة، وكما روي عن غير عائشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت بحمله ما

ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه،

أنهم كانوا طافوا لحجتهم قبل عرفة، وقبل أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال، فدل ذلك أن من سنة الحج الطواف له قبل الوقوف بعرفة كما قال أكثر أهل العلم فيه وفي جملتها إباحة فسخ الحج إلى العمرة، غير ما رويناه منها عن أنس من إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة مما خالفته فيه من قد ذكرنا خلافه إياه فيه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فالأشبه عندنا في ذلك بالحق، والله أعلم، أن يكون إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالحج خاصة كما قال الذين قالوا ذلك، لا بالحج والعمرة، لأنه قد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولا يجوز أن يكون أمرهم بذلك وهم في حرمة عمرة أخرى، لأنهم يرجعون بذلك إلى أن يصيروا في حرمة عمرة، وقد أجمع المسلمون على منع ذلك، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يكن مخصوصا به، ومما لم ينسخ بعد فعله إياه وقد روي عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما رويناه عنه في هذا الباب

1285 - وذلك أن أبا أمية، حدثنا، قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: حدثنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء، عن أنس، قال: خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة، وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت الحج والعمرة " ففي هذا الحديث جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة في بدء إحرامه، وإحرام أصحابه بالحج خاصة دون العمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج من حرمة الحجة فيعود إلى عمرتين، لأنه قد كان قارنا، وقد ساق الهدي لقرانه، وإنما حل

أحكام القرآن الكريم · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أحكام القرآن الكريمج ٢ · ص ٣٦