والأمر الثالث هو ما أسلفناه في فصل " الملكية الفردية " من إستحالة الفصل بين أي نظام اقتصادي والفلسفة الاجتماعية الكامنة وراءه . فحين نأخذ الاقتصاد الشيوعي لا بد أن نأخذ معه الفلسفة الاجتماعية التي تقوم على أساس أن المجتمع هو الأصل والفرد لا كيان له إلا باعتباره فرداً في القطيع . وذلك مخالف في أساسه للتربية الإسلامية التي تعنى عناية شديدة بالفرد ، وتكل إليه - بعد تهذيب ضميره - القيام بتبعات المجتمع وهو شاعر أنه جزء حي مريد موجه ، يختار عمله بنفسه ، ويختار المكان الذي يعمل فيه ، ويملك حرية توجيه الحاكم والخروج عليه إذا خرج هذا الحاكم عن شرع الله . والإسلام - بهذه التربية الفردية داخل رقابة المجتمع - يقيم من كل فرد حارساً أخلاقياً يرعى أخلاق المجتمع ويحول دون وقوع المنكر فيه . وهو مالا يمكن - نفسياً وعملياً - أن يحدث حين يصبح الفرد ذرة تائهة في كيان المجتمع ، يطيع الدولة في شئون الاقتصاد ، ثم يطيعها - تبعاً لذلك - في جميع الأمور .
والأمر الأخير أن الفلسفة الشيوعية قائمة على أن العامل الاقتصادي هو الوحيد ، أو هو على الأقل صاحب الأولوية المطلقة في تصريف شئون المجتمع وإقامة علاقاته .
والعقلية الإسلامية لا تنكر أهمية الاقتصاد ، ولا ضرورة إقامة المجتمع على أسس اقتصادية سليمة ، ليمكن إقامة الفضائل الخلقية والاجتماعية فيه ولكنها مع ذلك لا تؤمن بأن الحياة كلها اقتصاد . ولا أن الحلول الاقتصادية تحل كل مشاكل المجتمع .
فهذان – مثلاً - شابان قد سوينا بينهما في الوضع الاقتصادي . ولكن أحدهما غارق - بطبيعة مزاجه - في الشهوات لا يكاد يفيق منها ، ولا يملك منها قياد نفسه ، والآخر مترفع يأخذ نصيبه المعقول من المتاع وينفق ما تبقى من طاقة في الآفاق العليا من علم أو فن أوعقيدة . هل يستويان مثلاً ؟ وهل تستقيم الحياة بهذا كما تستقيم بذاك ؟
وهذا رجل له شخصية ، يقول فيستمع له الناس وينفذون توجيهاته ، وآخر لا شخصية له هو سخرية أصحابه . هل يحل الاقتصاد مشكلة هذا الأخير ؟ وهل تستقيم الحياة بهذا كما تستقيم بذاك ؟
وهذه امرأة جميلة وأُخرى عاطلة من الجمال . هل يحل الاقتصاد مشكلتها ؟ وهل تستقبل الحياة كما تستقبلها الأخرى ؟
ومن هنا تهتم العقلية الإسلامية بالقيم الأخرى - غير الاقتصادية - وخاصة القيم الخلقية ، لإيمانها بأن في الحياة قيماً غير اقتصادية في جوهرها ، وأنها تحتاج إلى مجهود إيجابي لتنظيمها لا يقل عن المجهود الموجه لتنظيم الاقتصاد . وتهتم بإيجاد صلة دائمة بين العبد والرب ، لأن هذه هي الوسيلة المثلى لتثبيت القيم الخلقية ، ورفع الناس من عالم الضرورة وما يدور فيه من خصومات وأحقاد ، إلى عالم طليق يغلب فيه الخير والمودة .
ومن جهة أخرى تؤمن العقلية الإسلامية بأن الطاقة الروحية في الإنسان طاقة ثمينة كبيرة الأثر في الحياة البشرية ، وأنها حين توجه إليها العناية ويبذل الجهد في تربيتها ، لا تقل أثراً عن العوامل الأخرى مجتمعة ، بما فيها العامل الاقتصادي . بل قد تكون أحياناً من الضخامة بحيث ترجح تلك القوى جميعاً . ويجد المسلمون في تاريخهم مصداق هذه الحقيقة في موقف رجل مثل أبي بكر من الردة ، فقد وقف وحده مصراً على قتال المرتدين ، والمسلمون جميعاً بما فيهم عمر بن الخطاب ذاته لا يؤيدونه في موقفه . فعلى أية قوة كان يعتمد ؟ القوة المادية ؟ قوة الاقتصاد ؟ القوة البشرية ذاتها ؟ كل ذلك يخذله عن القتال . ولكن القوة الروحية العجيبة التي وصلت روح أبي بكر بخالقه فاستمد منه العون والعزم ، هي وحدها التي حولت المتخاذلين إلى متحمسين ، وحولت قوة المشاعر إلى قوة مادية واقتصادية لا مثيل لها في التاريخ ! كما يجدون مصداقها في موقف رجل مثل عمر بن عبد العزيز من الظلم السياسي والاجتماعي الذي بدأه بنو أمية ، فقد وقف في وجه هذا الظلم ورد الأمور إلى نصابها كما ينبغي أن تكون في المجتمع المسلم ، حتى حدثت في عهده معجزة اقتصادية تاريخية ، هي وجود مجتمع ليس فيه فقراء .
لذلك تهتم العقلية الإسلامية بالطاقة الروحية لأنها لا تحب أن تضيع على البشرية فرصة الاستفادة من معجزاتها ، وإن كانت في الوقت ذاته لا تنفض يدها من العمل في حدود الطاقة " الواقعية " انتظاراً لتلك المعجزات . وإنما يكون شعارها دائماً : " إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " .
وليس في طوق الإنسان أن يصرف اهتمامه إلى الشئون الاقتصادية على الطريقة الشيوعية ، ثم تبقى لديه الطاقة أو الاهتمام الذي يوجهه للقيم الخلقية والجوانب الروحية . لأن " التضخم الاقتصادي " الذي تعنيه الشيوعية ، هو كالتضخم الذي يصيب بعض أجزاء الجسم كالقلب أو الكبد . فلا العضو المتضخم يؤدي وظيفته كاملة ، ولا هو يدع بقية الأعضاء تؤدي وظيفتها على الوجه الصحيح .
* * *