تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمبدأ التشريعي الذي وضعه الفقه الإسلامي في هذا الباب – وسبق به كل الدول الرأسمالية على الإطلاق – هو اعتبار العامل شريكاً في الربح مع صاحب رأس المال . وذهب بعض فقهاء المذهب المالكي إلى حد تحديد الشركة بالنصف ، على أن يدفع صاحب المال جميع التكاليف ، ويستقل العامل بعمل يده ، فجعل جهد صاحب المال في إنتاج المال مساوياً لجهد العامل في صناعة الإنتاج ، وساوى بين نصيبهما في الربح على هذا الأساس .

وأول ما يبدو هنا في هذا المبدأ هو حرص الإسلام العجيب على العدالة ، وسبقه في التفكير فيها والعمل عليها ، تطوعاً منه وإنشاء ، لا خضوعاً للضرورات الاقتصادية – التي لم تكن قد وجدت بعد بصورة فعالة يحس بضغطها الفقهاء – ولا نتيجة للصراع الطبقي الذي يزعم بعض دعاة المذاهب الاقتصادية أنه العامل الوحيد الفعال في تطور العلاقات الاقتصادية!

وقد كانت الصناعة في مبدأ عهدها صناعة يدوية بسيطة ، يشتغل فيها القليل من العمال في مصانع بسيطة ، فكان هذا التشريع الذي أشرنا إليه كفيلاً بإقامة العلاقات بين العمل ورأس المال على أساس من العدالة لم تحلم بها أوربا في تاريخها الطويل .

ولكن الفقه الإسلامي وقف عند هذا الحد - هو حد رفيع في ذاته - لأن العالم الإسلامي بعد ذلك تناوشته المصائب من كل صوب ، من التتار مرة ، ومن الحكام الجبابرة مرة ، ومن نكبة الأندلس ، ومن المنازعات الداخلية التي صرفت طاقة المسلمين عن التقدم ، وحولتها إلى بلادة ذهنية وروحية وحسية ظل يعاني آثارها إلى وقت قريب .

وفي أثناء وقوف الفقه الإسلامي كان العالم يتطور بسرعة بعد اختراع الآلة الميكانيكية ، وكانت تستجد كل يوم أحداث جديدة ، وعلاقات جديدة بين طوائف البشر ، لم يشترك فيها العالم الإسلامي ، ولم يضع لها من الفقه ما يناسب تطورها .

ولكن الفقه شيء والشريعة شيء آخر ، الشريعة هي المصدر الثابت الذي يحتوي المبادئ العامة ( ويحتوي أحياناً تفصيلات دقيقة كذلك ) .

أما الفقه فهو التطبيق المتطور الذي يستمد من الشريعة ما يناسب كل عصر ، وهو عنصر متجدد لا يقف عند عصر ولا جيل .

على أننا إزاء تطور الرأسمالية لم نكن في حاجة إلى تعب كبير في استنباط التطبيق الفقهي من الشريعة ، لأنها أمدتنا بمبادئ صريحة واضحة لا تحتمل التأويل .

يقول مؤرخو الاقتصاد إن الرأسمالية في أثناء تطورها من صورتها البسيطة الخيرة التي كانت عليها في مبدأ الأمر ، إلى صورتها الفاحشة التي وصلت إليها اليوم ، أخذت تعتمد رويداً رويداً على الديون الأهلية ، ومن هذه نشأ نظام المصارف التي تنظم العمليات الرأسمالية الكبرى ، وتقرضها ما تحتاج إليه من الأموال لتشغيلها في مقابل ما تأخذه من " الفوائد " والأرباح .

ولا نحتاج هنا أن ندخل في تفصيلات اقتصادية معقدة ، فهذه حقيقة مسلم بها ، وليرجع لكتب الاقتصاد من يرغب في الاطلاع على التفصيلات . وإنما يهمنا أن نشير إلى أن هذه القروض ، وجملة من أعمال المصارف ، قائمة على الربا وهو محرم تحريماً صريحاً في الإسلام .

كذلك يقول الاقتصاديون - وهو أمر مشاهد في الوقت الحاضر - إن المنافسة الرأسمالية العنيفة تؤدي في النهاية إلى تحطيم الشركات الصغيرة ، أو اندماجها بعضها في بعض لتأسيس شركة كبيرة ، وهذا وذلك يؤديان حتماً إلى الاحتكار في نهاية المطاف . والاحتكار حرام في الإسلام بنص أحاديث الرسول القاطعة بشأنه . ( )

وعلى ذلك فلم يكن من الممكن أن تتطور الرأسمالية - لو نشأت في أحضان الإسلام - إلى صورتها الفاحشة التي وصلت إليها اليوم ، والتي تؤدي إلى سوء الاستغلال ، والاستعمار والحروب . وإذن فكيف كان يكتب لها أن تسير ؟ هل تقف عند حد الصناعات البسيطة التي وصل إليها الفقه الإسلامي أم تتخذ طريقاً أخر يكون فيه الخير ولا يقع الشر المرهوب ؟

أما وقف الصناعة فهو عملية لا يشير بها الإسلام ، ولا بد للاختراع أن يأخذ طريقه ، ويؤثر حتماً في وسائل الإنتاج الكبير (Mass Production ) في النهاية .

وأما تطور علاقات الإنتاج بصورة أخرى غير ما حدث في أوربا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، فهذا هو الذي كان يمكن أن يكون ، بتنمية التشريعات الاقتصادية وفق نظريات الإسلام الخاصة ، كما سبق الإسلام بمسألة نصف الربح في موضوع الأجور .

وبهذا كان الإسلام يتفادى أمرين في وقت واحد : يتفادى اللجوء إلى الربا والاحتكار اللذين تحرمهما شريعته ، ويتفادى الظلم الشنيع الذي يقع على العمال حين يتركون فريسة لأصحاب رؤوس الأموال يستغلونهم أبشع استغلال ويمتصون دماءهم ، ثم يتركونهم في حمأة الفقر المدقع والحياة المذلة لكبرياء الإنسان . وهو أمر لا يستطيع أن يقره الإسلام .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٣٣