تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق من الأرقاء من يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة ، أويؤدي خدمة مماثلة للمسلمين . ونص القرآن الكريم على أن كفارة بعض الذنوب هي عتق الرقاب . كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على العتق تكفيراً عن أي ذنب يأتيه الإنسان ، وذلك للعمل على تحرير أكبر عدد ممكن منهم، فالذنوب لا تنقطع ، وكل ابن آدم خطاء كما يقول الرسول . ويحسن هنا أن نشير إشارة خاصة إلى إحدى هذه الكفارات لدلالتها الخاصة في نظرة الإسلام إلى الرق ، فقد جعل كفارة القتل الخطأ دية مسلمة إلى أهل القتيل وتحرير رقبة : " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلَّمة إلى أهله " ( ) . والقتيل الذي قتل خطأ هو روح إنسانية قد فقدها أهلها كما فقدها المجتمع دون وجه حق ، لذلك يقرر الإسلام التعويض عنها من جانبين : التعويض لأهلها بالدية المسلمة لهم ، والتعويض للمجتمع بتحرير رقبة مؤمنة ! فكأن تحرير الرقيق هو إحياء لنفس إنسانية تعوض النفس التي ذهبت بالقتل الخطأ . والرق على ذلك هو موت أو شبيه بالموت في نظر الإسلام ، على الرغم من كل الضمانات التي أحاط بها الرقيق ، ولذلك فهو ينتهز كل فرصة " لإحياء " الأرقاء بتحريرهم من الرق ( ) !

ويذكر التاريخ أن عدداً ضخماً من الأرقاء قد حرر بطريق العتق ، وأن هذا العدد الضخم لا مثيل له في تاريخ الأمم الأخرى ، لا قبل الإسلام ، ولا بعده بقرون عدة حتى مطلع العصر الحديث . كما أن عوامل عتقهم كانت إنسانية بحتة ، تنبع من ضمائر الناس ابتغاء مرضاة الله ، ولاشيء غير مرضاة الله .

أما المكاتبة ، فهي منح الحرية للرقيق متى طلبها بنفسه ، مقابل مبلغ من المال يتفق عليه السيد والرقيق . والعتق هنا إجباري لا يملك السيد رفضه ولا تأجيله بعد أداء المبلغ المتفق عليه . وإلا تدخلت الدولة ( القاضي أو الحاكم ) لتنفيذ العتق بالقوة ، ومنح الحرية لطالبها .

وبتقرير المكاتبة ، فتح في الواقع باب التحرير في الإسلام ، لمن أحس في داخل نفسه برغبة التحرر ، ولم ينتظر أن يتطوع سيده بتحريره في فرصة قد تسنح أو لا تسنح على مر الأيام .

ومنذ اللحظة الأولى التي يطلب فيها المكاتبة ـ والسيد لا يملك رفض المكاتبة متى طلبها الرقيق ، ولم يكن في تحريره خطر على أمن الدولة الإسلامية ـ يصبح عمله عند سيده بأجر ، أو يتاح له ـ إذا رغب ـ أن يعمل في الخارج بأجر ، حتى يجمع المبلغ المتفق عليه.

ومثل ذلك قد حدث في أوربا في القرن الرابع عشر ـ أي بعد تقرير الإسلام له بسبعة قرون ـ مع فارق كبير لم يوجد في غير الإسلام ، وهو كفالة الدولة للأرقاء المكاتبين ـ وذلك إلى جانب مجهود الإسلام الضخم في عتق الأرقاء تطوعاً بلا مقابل ، تقرباً إلى الله ووفاء بعبادته .

تقول الآية التي تبين مصارف الزكاة : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ... وفي الرقاب … " ( ) فتقرر أن الزكاة تصرف من بيت المال ـ وهو الخزانة العامة في العرف الحديث ـ لمعاونة المكاتبين من الأرقاء لأداء ثمن التحرير ، إذا عجزوا بكسبهم الخاص عن أدائه .

وبهذا وذاك يكون الإسلام قد خطا خطوات فعليه واسعة في سبيل تحرير الرقيق ، وسبق بها التطور التاريخي كله بسبعة قرون على الأقل ، وزاد على هذا التطور عناصر – كرعاية الدولة – لم يفىء إليها العالم إلا في مطلع تاريخه الحديث . وعناصر أخرى لم يفىء إليها أبداً ، سواء في حسن معاملة الرقيق ، أو في عتقه تطوعاً ، بغير ضغط من التطورات الاقتصادية أو السياسية التي اضطرت الغرب اضطراراً لتحرير الرقيق كما سيجيء .

وبهذا وذاك تسقط حذلقة الشيوعيون ودعاواهم " العلمية " الزائفة ، التي تزعم أن الإسلام حلقة من حلقات التطور الاقتصادي جاءت في موعدها الطبيعي حسب سنة المادية الجدلية – فها هي ذي قد سبقت موعدها بسبعة قرون – والتي تزعم أن كل نظام - بما في ذلك الإسلام - إن هو إلا انعكاس للتطور الاقتصادي القائم وقت ظهوره ، وأن كل عقائده وأفكاره تلائم هذا التطور وتستجيب له ، ولكنها لا تسبقه ، ولا تستطيع أن تسبقه ، كما قرر العقل الذي لا يخطىء ولا يأتيه الباطل من فوقه ولا من تحته ، عقل كارل مارس تقدست ذكراه ! فها هو ذا الإسلام لم يعمل بوحي النظم الاقتصادية القائمة حينئذ في جزيرة العرب وفي العالم كله ، لا في شأن الرقيق ، ولا في توزيع الثروة ، ولا في علاقة الحاكم بالمحكوم ، أو المالك بالأجير ( ) ، وإنما كان ينشئ نظمه الاجتماعية والاقتصادية تطوعاً وإنشاء على نحو غير مسبوق ، ولا يزال في كثير من أبوابه متفرداً في التاريخ .

وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلها نحو تحرير الرقيق ، وسبق بها العالم كله متطوعاً غير مضطر ولا مضغوط عليه ، فلماذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية ، فيعلن في صراحة كاملة إلغاء الرق من حيث المبدأ ؟

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٢٧