قال ابن تيمية رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء: (والكتاب اسم جنس، كما تقدم نظائره في قوله (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)، وقوله (وطعام الذين أوتوا الكتاب)، وقوله (يا أهل الكتاب) في غير موضع، وقوله (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)، ...
وأمره تعالى بسؤال الذين يقرءون الكتاب من قبله على تقدير الشك، لا يقتضي أن يكون الرسول شك ولا سأل، إن قيل: الخطاب له. وإن قيل: لغيره. فهو أولى وأحرى. فإن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على تحقيق الشرط، بل قد يُعلق بشرط ممتنع لبيان حكمه. قال تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين). فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، مع انتفاء الشرك عنهم، بل مع امتناعه؛ لأنهم قد ماتوا؛ ولأن الأنبياء معصومون من الشرك به.
وقال تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين). فهذا خطاب للجميع. وذكر هنا لفظ (إن) لأنه خطاب لموجود، وهناك خبر عن ميت.
وكذلك قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل) لا يدل على وقوع الشك ولا السؤال. بل النبي لم يكن شاكا، ولا سأل أحدا منهم. بل رُوي عنه أنه قال: (والله لا أشك ولا أسأل). ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب). وقال تعالى: (قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين). وقال تعالى: (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل). وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين). وقال: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا). وقال تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين). وقال تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك). وقال تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم).
فالمقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون، وذلك من وجوه:
أحدها: أن الكتب المتقدمة تنطق بأن موسى وغيره دعوا إلى عبادة الله وحده، ونهوا عن الشرك، فكان في هذا حجة على مَن ظن أن الشرك دين. ومثل هذا قوله تعالى: (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون). وقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وقوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).