تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويذهب صاحب هذا الرأي في تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ...) الآية ، مذهباً عجيباً فهو يفسر هذه الآية بأن الله تعالى لما حرم أكل أموال اليتامى وحظرها على الأولياء في قوله: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، إنه كان حوباً كبيراً) فَصَل أموال اليتامى عن أموالهم ، فجعل الشيء من طعام اليتيم يفضل ويحبس فيفسد ، فاشتد ذلك عليهم فنزل: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم ، والله يعلم المفسد من المصلح ، ولو شاء الله لأعنتكم ، إن الله عزيز حكيم) ، فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وخالطوهم في أموالهم ، ثم إنهم شعروا بحرج من الاختلاط باليتيمات ، إذا لم يكونوا محارم لهن ، لضرورة اتصالهم بهن ، والتعرف على أحوالهن ، فنزل قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...) الآية ، أي اليتيمات وأضيفوهن إلى زوجاتكم.

التفسير الصحيح للآية وبيان خطأ تفسيرهم:

وما ذهب إليه صاحب هذا التفسير مخالف لما أجمع عليه المفسرون من السلف والخلف في معنى هذه الآية ، ولم يسبق إليه أحد من قبل ، بل معنى الآية كما يراه جمهور المفسرون: وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهن ، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن.

ويؤيده ما رواه البخاري وغيره عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن ، إلا أن يقسط إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن) ، فلا دليل في تلك الآية على ما ذهب إليه أولئك من شرط المبرر للتعدد كما يدعون.

تفسيرهم حل غير سليم:

ثم إن التفسير على الوجه الذي ذهب إليه صاحب هذا الرأي يتضمن حلاً غير سليم للمشكلة التي يزعم أن الآية تتصدى لحلها ، وذلك أن اقتراح الزواج باليتيمات لا يعد مخرجاً سليماً لتحرج الأولياء من الاختلاط بهن ، فقد لا يكون للولي رغبة في اليتيمة ، وقد لا تكون هي راغبة في الزواج به ، وقد لا تكون صالحة لزواجه بها لسبب ما ، وقد يكون في حجره يتيمات لا يجوز الجمع بينهن ، وقد يكون في حجره أكثر من أربع يتيمات ، فإذا كان الزواج باليتيمة مخرجاً في حالة ما فإنه لا يمكن أن يكون مخرجاً في آلاف الحالات.

لا دليل لاشتراط المبرر:

ثم إن اشتراط مبرر لإباحة التعدد يَهم جماعة المسلمين فلو كان مراداً ومطلوباً للشارع لنص عليه صراحة ولم يغفل عنه.

كما أنه لو كان هناك قيد للتعدد غير العدل لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة الذين كانوا متزوجين بأكثر من أربع ، فأمرهم عند نزول الآية المحددة للعدد بالاكتفاء بأربع وتسريح الباقي ، والوقت وقت وحي وبيان.

شبهة والرد عيها:

وأجابوا عن انتشار التعدد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان عهد حروب فكان الناس يعيشون مبرراً عاماً يراه كل إنسان في زيادة عدد الأرامل.

ويرد على مثل هذا الرأي ، بأن العالم يشهد اليوم زيادة في عدد العانسات ، وعزفاً من الشباب عن الزواج .. ومثل ذلك النظر يقتضي أن نعتبر زيادة عدد غير المتزوجات مبرراً عاماً يبيح تعدد الزوجات حتى يستوعب عدداً من الأرامل والمطلقات والعانسات.

شبهة أخرى والرد عليها:

ومما قالوه لاشتراط المبرر: إن الزواج بواحدة هو الأصل في الإسلام وأن التعدد استثناء ، ولا يعمل بالاستثناء إلا عند الضرورة وهي تظهر عند وجود مبرر لتعدد الزوجات.

ويرد عليهم بأن الآية التي ورد فيها مشروعية تعدد الزوجات ، لم يرد بها أن الزواج بواحدة هو الأصل والواجب ، وأن غيره ضرورة واستثناء ، بل الأمر في ذلك مبني على العدل وعدم الخوف من الجور.

إلى غير ذلك من الحجج الواهية.

أضرار إثبات المبرر عن طريق القاضي:

ولو سلمنا جدلاً بضرورة وجود مبرر ، يكون إثباته عن طريق القاضي عند إرادة الزواج بأكثر من واحدة ، فإن هذه الفكرة سوف تفشل عند التطبيق وذلك لأن إثبات ذلك المبرر عند القاضي سوف يؤدي إلى فضائح وإساءات ، أو يتحول إذن القاضي إلى إجراء صوري ، يتعين على القاضي اتخاذه لمجرد رغبة الرجل في الزواج بأكثر من واحدة ، دون بحث جدي في مبررات الزواج ، حفاظاً على كرامة الأسرة ، اللهم إلا إذا كان الدعاة لهذا القيد لا يهدفون إلى تقييد تعدد الزوجات بوجود مبرر يخضع لتقدير القضاء وإنما يهدفون إلى منع تعدد الزوجات ? وهذا هو الواقع ? نظراً لما يحيط بإثبات المبرر عند القاضي من صعوبات وفضائح ، يجد الرجل معها نفسه مضطراً إما إلى طلاق زوجته والزواج ممن يريدها ، وإما إلى الإبقاء على زوجته على كره منه ، وفي هذه الحالة ، قد تضطره كراهيته لزوجته مع تزيين الشيطان له أن يبحث عن أخرى عن طريق الحرام.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٨٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٨٠٦