تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إذا كان الإعلام يعني الدعوة أو الإصلاح القديم الذي أطلق عليه في القرون الوسطى لفظ (بروبا جاندا ) Propoganda أي النشاط الهادف إلى نشر الدعوة والتبشير بها وكسب المؤمنين بها ، فقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من بدء البعثة إلى وفاته سلسلة متصلة من الدعوة والنشاط لنشر الدعوة ، وباستعراض يسير لوقائع السيرة النبوية ، يقف القارئ على نوعية هذا النشاط الدعوي للرسول صلى الله عليه وسلم ، إما بقراءة رسالة الإسلام الإعلامية الخالدة ـ أي القرآن - على الناس وتبيانه لهم ، أو إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء لدعوتهم إلى الدخول في الدين الجديد ، أو إيفاد الدعاة إلى القبائل لدعوتها وتبصيرها بالإسلام ، أو الجهاد بالسيف لإعلاء كلمة الله عز وجل وفتح البلاد أمام الدين الجديد ، أو ترتيب البيت المسلم والمجتمع الإسلامي من الداخل ، أو غير ذلك .

وإذا قلنا إن الإعلام يعني الدبلوماسية المفتوحة أو الدبلوماسية الشعبية والعمل السياسي الخارجي فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصّلت لهذا المعنى وقامت به على أكمل وجه وأمثله سواء كان ذلك في البيعات التي بويعها الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه ، أو كان في المعاهدات والاتفاقات التي أبرمها صلى الله عليه وسلم مع غير المؤمنين به .

تقويم عمل الرسول صلى الله عليه وسلم الإعلامي من خلال سيرته :

لا يمكن بالطبع ـ لأي أحد أن يحكم على عمل الرسول صلى الله عليه وسلم إعلاميًا أو دعويًا او سياسيًا أو غير ذلك لسبب يسير وعظيم في نفس الوقت وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي صادق لا ينطق عن الهوى وأنه معصوم من الله عز وجل عن أي خطأ أو زلل أو فاحشة والعياذ بالله .

وحتى لو أعملنا مقاييس الإعلاميين في تقييم العمل الإعلامي التي تقوم على محاور ثلاثة فسوف نجد هذا التقويم يبلغ القمة في بلوغ الغاية والأثر كما يأتي :-

(1) المحور الأول : القياس الكمي للانتاج الإعلامي ، وطبيعي أن يبلغ هذا الانتاج القمة بأحاديث الرسول التي بلغت مئات الآلاف وشروح وتطبيقات الصحابة إضافة إلى الرسالة الإلهية الخالدة وهي القرآن الكريم

(2) المحور الثاني : تحديد نوع الاستقبال المحتمل لرسالة الإعلام ، وفي هذا المحور نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث للناس كافة وأن أمته فوق الأمم وقد جاء هذا في القرآن الكريم في آيات كثيرة ، وجاء في خطابه صلى الله عليه وسلم للأنبياء عند اجتماعه بهم في رحلة الإسراء والمعراج قال [ الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ، وأنزل عليَّ الفرقان فيه بيان لكل شيء ، وجعل أمتي خير أمةٍ أخرجت للناس ، وجعل أمتي أمة وسطًا ، وجعل أمتي هم الأولون ، وهم الآخرون ،، انظر قصة الإسراء في تفسير الطبري .

(3) المحور الثالث : تحديد التأثير الممكن للوسائل الإعلامية ، ويكفي هنا أن نقول إن تأثير القرآن الكريم والسنة المشرفة والرسول صلى الله عليه وسلم أنتج دولة قوية مهابة الجانب دوليًا وعالميًا ، خلال ثلاث وعشرين سنة ،وشكّل أمة هي خير الأمم على الإطلاق خلال الفترة نفسها ، وهذا التأثير جعل الباحثين الغربيين - فضلاً عن غيرهم - يضعون صاحبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قمة هرم العظماء من البشر .

ثانيًا القرآن الكريم كرسالة إعلامية :

القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد على مرّ التاريخ الذي أسس دولة إسلامية عظمى أصبحت الدولة الأولى في العالم الجديد على عهد الصحابة ،بعد أن نقل ـ أي القرآن ـ العرب والناس من طور البداوة والتخلف والذلة إلى طور آخر من العزة والمنعة والحضارة والتقدم ، ولأنه موجه إلى البشرية جميعًا فقد حمل بين دفتيه أنجح وأرقى المداخل والأساليب الإعلامية المؤثرة ، كما يقول الدكتور حسن على محمد في كتابه " الإعجاز الإعلامي في القرآن الكريم " جاءت الرسالة القرآنية معجزة في بلاغتها مذهلة في منهجها الإعلامي وفنونها التعبيرية وهذا ما قرره الدكتور إحسان عسكر في كتابه " فنون التبليغ القرآني ونظرياته " فالمتأمل لآي القرآن الكريم يجد فيه المكي والمدني ولعله ما يدرس في معاهد الإعلام ـ الآن ـ تحت عنوان المنطق الإعلامي والمرتكزات الإعلامية بأنواعها ، والثابت أن القرآن الكريم بما له من ذاتية إعلامية قد جمع في وقت واحد بين نمطين من الاتصال ، فهو شخصي الوسيلة جماهيري الخطاب ، فقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ القرآن عن طريق الاتصال الشخصي إلا أن هذا الاتصال كان له طابع جماهيري فهو موجه إلى الناس من رب الناس من خلال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم .

بعض الخصائص الإعلامية للقرآن الكريم :

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٨٨