تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن منهج النقد عند المحدثين يعد بحق مفخرة من مفاخر هذه الأمة من جهة السبق أولا ، ومن جهة الشمولية والموضوعية ودقة النتائج ثانياً ، وهذا ما شهد به أهل الإنصاف من غير المسلمين حتى قال " مرجليوث " : " ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم " ، وقد ألف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتاباً في أصول الرواية التاريخية وهو كتاب مصطلح التاريخ لمؤلفه النصراني " أسد رستم " ، اعتمد فيه على قواعد علم الحديث ، واعترف بأنها طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات ، وقال بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي ، والأمانة في خبره : " ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب ، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحرفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي ، اعترافاً بفضلهم على التاريخ " ثم أخذ ينقل نصوصاً عن بعض أئمة هذا الشأن .

ومع ذلك وُجِد من المستشرقين - ممن لم يمعن النظر في منهج النقد عند المحدثين ، ولم يقدر لهم جهودهم وأعمالهم - ، من حاول إظهار هذا المنهج بصورة مشوهة مغلوطة، تقلب حقيقته ، وتغير واقعه ، وتدعو إلى إعادة النظر فيه ، على اعتبار أنه الأساس الذي بني عليه تصحيح الأخبار وردها ، وكان ممن حمل راية هذه الدعوة أحد كبرائهم وهو المستشرق المجري اليهودي " جولد زيهر " ثم تلقف بعض الدارسين - مع الأسف - نتائجه التي توصل إليها في هذا الصدد على أنها حقائق ومسلمات .

قال " جولد زيهر " : " ولم يستطع المسلمون أنفسهم أن يخفوا هذا الخطر - أي خطر الوضع في الحديث - ، ومن أجل هذا وضع العلماء علماً خاصاً له قيمته وهو علم نقد الحديث ، لكي يفرقوا بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث ، إذا أعوزهم التوفيق بين الأقوال المتناقضة .

ومن السهل أن يفهم أن وجهات نظرهم في النقد ليست كوجهات النظر عندنا ، تلك التي نجد لها مجالاً كبيراً في النظر في تلك الأحاديث التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها ، ووقف حيالها لا يحرك ساكناً .

ولقد كان من نتائج هذه الأعمال النقدية الاعتراف بالكتب الستة أصولاً ، وكان ذلك في القرن السابع الهجري ، فقد جمع فيها علماء من رجال القرن الثالث الهجري أنواعاً من الأحاديث كانت مبعثرة رأوها أحاديث صحيحة .

وقد أصبحت هذه الكتب مراجع مجزوماً بها لسنة النبي ، ويعتبر في المقام الأول منها الصحيحان " أهـ .

لقد قرر " جولد زيهر " هذا الكلام المتهافت مع أن كل دارس منصف يعلم أن منهج المحدثين النقدي قد شمل كل أوجه الاحتمالات في جوانب الحديث المختلفة ، سنداً ومتناً ، فالأساس الأول هو أداء الراوي للحديث كما سمعه ، وهذا يقتضي أولاً دراسة الراوي ، وقد حقق المحدثون ذلك بدراسات مستفيضة متنوعة ، وضعوا فيها شروط الراوي الثقة وهي العدالة والضبط ، ثم وضعوا العلوم التي تكشف أمور الرواة وأحوالهم ، فبحثوا في أسمائهم ، وتواريخهم ، وأماكنهم ، وشيوخهم وتلامذتهم ، وما يتصل بذلك من فروع ومسائل في ثلاثين نوعاً من أنواع علوم الحديث .

ثم إن للحديث جوانب أخرى غير شخص الراوي ، قد تدل على الضعف أو السلامة في النقل ، وهي إما أن تكون من أخذ الراوي أو أدائه للحديث ، أو في سلسلة السند ، أو في عين المتن ، أو تكون أمراً مشتركاً بين السند والمتن ، وقد استوفى المحدثون بحث ذلك كله ، وتتبعوا كل احتمال للقوة والضعف ، فدرسوا صيغ الاتصال بين الرواة في حال الأخذ والأداء ، وما دل منها على الاتصال وما لم يدل ، وجعلوا لكل حالة تسمية وحكماً خاصاً ، وتناولوا متون الأحاديث بالفحص والتدقيق وتتبعوا ما بها من علل وشذوذ وغير ذلك بقواعد رصينة محكمة .

ولم يكتفوا بمجرد اختبار السند والمتن بل قاموا بموازنة ضخمة بين الأحاديث سنداً ومتناً، استخرجوا بها أنواعاً كثيرة من علوم الحديث ، ولم يكتفوا في هذه المقارنة بعرض الحديث على أشباهه من الروايات الأخرى ، بل عرضوه أيضاً على كل الدلائل العقلية والشرعية ، مما نتج عنه نشوء أنواع كالمعلل ، والموضوع ، والمدرج ، والمقلوب ، والمنكر ، والمضطرب ، والمصحف ، وغيرها من الأنواع الناشئة نتيجة مقارنة المرويات وسبرها .

ولعل هذه الحادثة التي رواها العقيلي في كتاب الضعفاء تبين مدى ما كان يتمتع به الناقدون من المحدثين من فطنة وبراعة في النقد ، فقد ذكر أن أبا داود الإمام الجهبذ جعل أحاديث " يعقوب بن كاسب " على ظهور كتبه ، ولم يضمنها تلك الأحاديث ، فلما سئل عن ذلك قال : رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعها - أي حال دون دفعها إليهم - ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري ، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها " .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٤٧