تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل مناقشة هذه المزاعم لا بد من التنبيه على أن من الأسباب التي جعلت المستشرقين يتوصلون إلى هذه النتيجة في حكمهم على الأحاديث النبوية ، أنهم لم يجروا دراستهم على كتب الحديث المعتمدة التي عنيت بذكر الأسانيد وعولت عليها ، بل اختاروا الكتب التي تكون دراستها للحديث غير مقصودة لذاتها ككتب السيرة والفقه مثلاً ، فـ " شاخت " عندما أصدر حكمه هذا على الأسانيد أصدره بناء على دراسة قام بها لكتاب الموطأ للإمام مالك ، والموطأ للإمام محمد الشيباني ، وكتاب الأم للشافعي ومن المعلوم أن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث ، وعلى الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي توصل إليها في دراسته لتلك الكتب ، وفرضها على كافة كتب الحديث ، وكأنه ليس هناك كتب خاصة بالحديث النبوي ، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث .

فقد يحذف الفقهاء جزءاً من الإسناد اكتفاءً بأقل قدر ممكن من المتن الذي يدل على الشاهد والمقصود وذلك تجنباً للتطويل ، وقد يحذفون الإسناد بكامله ، وينقلون مباشرة عن المصدر الأعلى ، وقد يستعملون الإسناد أحياناً ، ويقطعونه أحياناً .

وبهذا يتبين بأن كتب السيرة وكتب الفقه ليست مكاناً صحيحاً لدراسة ظاهرة الأسانيد ونشأتها وتطورها ، وأن أي دراسة أو نتيجة يتوصل إليها الباحث فيما يتعلق بالأحاديث النبوية أو الأسانيد في غير مصدرها الأصلي ، محكوم عليها بالفشل والإخفاق ، وعلى هذا الأساس فإن ما قام به المستشرقون من دراسة وما توصلوا إليه من نتائج في هذا المجال كانت نتائج خاطئة ، هذا إذا افترضنا حسن النية ، والنزاهة في البحث العلمي ، فكيف إذا انضم إلى ذلك سوء القصد والعداء للإسلام وأهله ، وتشويه مصادره ، وهدم أصوله وأركانه .

وأما ما يتعلق بتفنيد هذه المزاعم فمن المعلوم لدى كل منصف أنه لم يلق علم من العلوم الإسلامية في جميع جوانبه وفروعه ما لقيه علم الحديث من العناية والاهتمام ، بدءا من عهد الصحابة رضي الله عنهم وإلى يوم الناس هذا ، فما من جزئية من جزئياته إلا وقد فصَّلها العلماء بحثاً ودراسة ، وذلك تحقيقاً لوعد الله في حفظ الذكر ، ومن ذلك ما يتعلق بإسناد الحديث .

فقد درس المحدثون هذه الأسانيد دراسة مستوفية من حيث الاتصال ، ووضعوا القواعد التي تتناول كافة أحوال الاتصال ، وسائر وجوهه ، فنظروا إليه من حيث مبدئه ومنتهاه ، ودرسوا صيغه ، وبينوا شروطها ، ونظروا إلى مسافة السند من حيث الطول والقصر ، وإلى حال الرواة عند الأداء ، ونقدوا الأسانيد في الحديث الواحد وما فيها من زيادة ونقص .

كما درسوا الإسناد من حيث الانقطاع ، وأنواعه ، فبحثوا عن مواضعه من أوله أو وسطه أو آخره ، كما بحثوه من حيث طبيعته في الظهور والخفاء ، وبلغوا في ذلك المنتهى والغاية .

فاستوفوا بذلك جميع أوجه الاحتمالات في اتصال الحديث وانقطاعه ، مما جعل حكمهم على الأحاديث في غاية الدقة والسداد .

إضافة إلى أنهم اشترطوا في الحديث الصحيح شروطاً تضمن أن ينقله الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الاتصال التام ، وكل واحد من الرواة يخبر باسم الذي أخبره ونسبه وحاله ، لا تفوتهم في ذلك كلمة أو زيادة لفظة فما فوقها ، وهذه الشروط هي الضبط والعدالة واتصال السند ، وعدم الشذوذ والعلة ، فاختص الإسناد من ذلك بثلاثة شروط ، واشترك مع متن الحديث في الشرطين الآخرين .

وعرف عن أئمة هذا الشأن الإكثار من الترحال والتنقل في طلب الأسانيد ، للوقوف على أحوال الرواة وسيرهم عن كثب ، وحرصاً منهم على قرب الأسانيد وقلة النقلة والوسائط ، ونظرة سريعة في تراجم الرواة تدلنا على مدى المشاق والصعوبات التي لقيها هؤلاء الأئمة واستعذبوها في سبيل حفظ السنة وسماع أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منابعها الصحيحة ومصادرها الأصلية ، حتى رأينا الصحابي يرحل من المدينة - التي هي بلد رسول الله وموطن الحديث - إلى مصر في طلب حديث سمعه آخرُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخبار العلماء ورحلاتهم في ذلك كثيرة يضيق المقام بذكرها ، ولا ينقضي العجب منها ، وحسبنا أن نشير إلى شيء منها لنعرف عظم الجهود التي بذلها أسلافنا في جمع الحديث النبوي وحفظه وصيانته .

فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرحل من المدينة إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر عن حديث سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم قال له : حدِّثْنا ما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في ستر المسلم ، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك ، فلما حدَّثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائداً إلى المدينة ، وما حلَّ رحله .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٤٣