تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت : وهذا سؤال جاهل أو متجاهل ، وإن الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت ، ثم يرى الله عز وجل قد ألف بينها وقهرها على الاجتماع ، وجعلها سببا لبقاء الحيوان وصلاحه ، لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والدواء في جزأين من حيوان واحد ، وأن الذي ألهم النحل أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه ، وألهم النملة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة ، وجعل لها الهداية أن تقدم جناحاً وتؤخر آخر ، لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد ، والامتحان الذي هو مضمار التكليف ، وفي كل شيء عبرة وحكمة وما يذكر إلا أولوا الألباب " أهـ .

وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " ( 230- 231) : " فما ينكر من أن يكون في الذباب سم وشفاء ، إذا نحن تركنا طريق الديانة ورجعنا إلى الفلسفة ؟ وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية ؟ فإن الأطباء يذكرون أن لحمها شفاء من سمها إذا عمل منه الترياق الأكبر ، ونافع من لدغ العقارب وعض الكلاب الكلبة .... إلخ ، وكذلك قالوا في العقرب : إنها إذا شق بطنها ، ثم شدت على موضع اللسعة نفعت ....إلخ ، والأطباء القدماء يزعمون أن الذباب إذا ألقي في الإثمد وسحق معه ثم اكتحل به زاد ذلك في نور البصر ، وشد مراكز الشعر من الأجفان في حافات الجفون ... وقالوا في الذباب : إذا شدخ ووضع على موضع لسعة العقرب سكن الوجع ، وقالوا من عضه الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه لئلا يقتله وهذا يدل على طبيعة فيه شفاء أو سم " أهـ .

والمهم من إيراد هذا الكلام أن اجتماع المتضادات في الجسم الواحد ليس بمستغرب شرعاً ولا حساً ولا واقعاً .

هل أثبت العلم بطلانه؟

وأما أن العلم يثبت بطلان الحديث لأنه يقطع بمضار الذباب ، فإن الحديث كما سبق لم ينف ضرر الذباب بل نص على ذلك صراحة .

وهل علماء الطب وغيرهم أحاطوا بكل شيء علماً حتى يصبح قولهم هو الفصل الذي لا يجوز مخالفته ، بل هم معترفون بأنهم عاجزون عن الإحاطة بكثير من الأمور ، وهنالك الكثير من النظريات التي كانت تؤخذ إلى عهد قريب على أنها مسلمات تبين بطلانها وخطؤها فيما بعد ، بينما الذي نطق به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وحي من عند الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى ، وأي إشكال في أن يكون الله تعالى قد أطلع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أمر لم يصل إليه علم الأطباء بعد ؟ وهو سبحانه خالق الحياة والأحياء ﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾( الملك 14) ، فلماذا لا يكون ما يحمله الذباب على جناحه من شفاء مما خفي علمه عن الأطباء اليوم ؟.

ومن قال بأن عجلة الطب قد توقفت بما لا مزيد عليه ، ولا يزال الأطباء يطلون على العالم في كل يوم باكتشافات جديدة ، وعلاجات لأمراض كانت إلى عهد قريب مستعصية ، وأدوية وعقاقير لم تكن معروفة من قبل .

وهل يتوقف إيماننا بصدق كل حديث ورد فيه أمر طبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدقه أو بطلانه ؟ فأين إيماننا بالغيب إذاً ، وأين إيماننا بصدق نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووحي الله إليه ؟!.

إن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برهان قائم بنفسه لا يحتاج إلى دعم خارج عنه ، والذي يجب على الأطباء وغيرهم من عامة الناس هو التسليم بما جاء فيه وتصديقه ، فإن هذا هو مقتضى الإسلام والإيمان بغض النظر عن موقف الطب منه ما دام ثابتاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .

هذا كله يقال على فرض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث ولم يؤيد ما جاء به ، مع أن الواقع خلاف ذلك فقد وجد من الأطباء المعاصرين - لا نقول المسلمين منهم بل حتى الغربيين - من أيد مضمون ما جاء به الحديث من الناحية الطبية ، وأنه من معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهنالك العشرات من البحوث والمقالات في هذا الجانب .

ولسنا بصدد ذكر الأبحاث العلمية التي تفسر الحديث وجوانب الإعجاز فيه ، والخوض في تفصيلات ذلك ، فهذا له موضع آخر ، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الكلام على الإعجاز في الحديث النبوي في موضوع خاص بعنوان ( حديث الذباب ) ، وكل هذه الأبحاث تؤكد بل تجزم بعدم وجود أي تعارض بين الحديث وبين المكتشفات الطبية الحديثة .

لا دخل له في التشريع

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٠٦