وأما الزعم بأنها ليست محكمة الدلالة ، ومن أجل ذلك أولها العلماء فهو زعم باطل لا أساس له من الصحة ، بل هو تحريف وتبديل للنصوص الثابتة الصريحة من غير ما حجة ولا قرينة ، فقد نصت الأحاديث صراحة على نزوله عليه السلام بشخصه وصفته ، بين مهرودتين ، واضعاً يديه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، وأنه يدرك الدجال بباب لد فيقتله ، ويأتي قوماً قد عصمهم الله منه ، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ...إلخ حديث النواس بن سمعان ، ونصت على أنه يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون كما في مسند أحمد بسند صحيح ، فهل يصح من عاقل يعرف اللغة ومفرداتها ، فضلاً عمن ينتسب إلى العلم أن يفسر ذلك بغلبة رسالته ، وتعاليمه التي تأمر بالرحمة والمحبة والسلم ، وتدعو إلى الأخذ بمقاصد الشريعة دون ظواهرها ، وهل يعقل أن يكون الذي يدفن ويصلي عليه المسلمون هي تعاليمه ورسالته .
هل هذا إلا من العبث والتلاعب والاستخفاف بالعقول الذي ينبغي أن ينزه عنه كلام العقلاء من البشر ، فضلاً عن كلام من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند : " وقد لعب المجددون ، أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالة صراحة على نزول عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان ، قبل انقضاء الحياة الدنيا ، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة ، وبالإنكار الصريح أخرى ، ذلك أنهم في حقيقة أمرهم لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون ، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها ، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة ، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل " .
من عقائد المسلمين
وإذا كانت نصوص الكتاب والسنة قد دلت على رفعه إلى السماء ، وأنه حي بروحه وجسده ، وأنه سينزل في آخر الزمان ، وانعقد الإجماع على ذلك ، فإنه يجب على كل مسلم أن يؤمن بما دلت عليه تلك النصوص ، وأن يعقد قلبه عليها ، لأن هذه المسألة من مسائل الإيمان بالغيب ، وإلا لما كان لذكرها أي فائدة ، ومن أجل ذلك ذكر أهل العلم نزول عيسى عليه السلام ، وقتله الدجال ، في عقيدة أهل السنة والجماعة .
قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر بعد أن ذكر بعض العلامات : " وسائر علامات يوم القيامة على ما وردت به الأخبار الصحيحة حق كائن " .
قال الإمام أحمد رحمه الله : " أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء بهم وترك البدع ، وكل بدعة فهي ضلالة " ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ، فقال : " والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه (كافر) ، والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك كائن ، وأن عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد " طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلى ( 1/241- 243) .
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة : " جملة ما عليه أهل الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لا يردون من ذلك شيئاً . . . . . . إلى أن قال : ويصدقون بخروج الدجال ، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقتله " ، ثم قال في آخر كلامه : " وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، وإليه نذهب " ، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ( 1/345- 348) .
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي في " لمعة الاعتقاد " : " يجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا ، نعلم أنه حق وصدق ، سواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ، ولم نطلع على حقيقة معناه . . . . . ثم قال : " ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ، وأشباه ذلك مما صح به النقل " أهـ .
وقال الطحاوي في عقيدته المشهورة : " ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء " ( شرح العقيدة الطحاوية 564) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " والمسيح - صلى الله عليه - وعلى سائر النبين لا بد أن ينزل إلى الأرض . . . . . . كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ، ولهذا كان في السماء الثانية ، مع أنه أفضل من يوسف و إدريس و هارون ، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره ، وآدم كان فى سماء الدنيا ، لأن نسم بنيه تعرض عليه " . ( مجموع الفتاوى ( 4/329) .
وقال القرطبي في التذكرة : " الإيمان بوجود الدجال وخروجه حق ، وهذا هو مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث " .
ونقل النووي عن القاضي عياض قوله : " ونزول عيسى وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك ، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته " .