تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعضهم أثبت وجوده ولكنه أنكر الخوارق التي تكون معه ، وأنها لا حقيقة لها بل هي خيالات وتمويهات ، لأنها - بزعمه - تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من الرسل بل تفوقها ، ولأن الله عز وجل إنما آتاهم هذه الآيات لهداية خلقه ، وإثبات صدق أنبيائه ، فكيف يؤتي الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده .

وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل ، وهذه النصوص المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها " .

ثم استشهد على تعارض أحاديث الدجال بأنه ورد في بعض الروايات أن معه جبال الخبز وأنهار الماء والعسل ، وأن معه جنة وناراً . . . . . إلى غير ذلك ، وقال إن هذا يتعارض مع الحديث الذي في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال : ما سأل أحدٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال أكثر مما سألته ، وإنه قال لي : ما يضرك منه ؟ قلت : إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء وجبال الخبز ، قال : هو أهون على الله من ذلك " ( تفسير المنار 9/490) .

وإذا كانت فتنة الدجال بهذه الخطورة ، فلماذا لم يذكر في القرآن ، مع عظم فتنته وتحذير جميع الأنبياء منه ، والأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة .

من جهة الرواية

ونحن لا ننكر أنه قد وضعت أحاديث مكذوبة في الدجال وصفته وزمان ومكان خروجه، ولكنه مع هذا قد صحت فيه أحاديث كثيرة رواها البخاري و مسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم ، حتى نص كثير من العلماء على تواتر هذه الأحاديث ، والذين نصوا على تواتر أحاديث نزول عيسى عليه السلام ، قالوا بتواتر أحاديث الدجال لأن كثيراً منها مذكورٌ في أحاديث نزول عيسى عليه السلام ، و للشوكاني رحمه الله رسالة سماها : " التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح " ذكر منها مائة حديث ، يحصل التواتر بما دونها فكيف بمجموعها ، وقال بعضهم : " أخبار الدجال تحتمل مجلدات " ، وقد أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف ، وذكر جملة وافرة منها السيوطي رحمه الله في " الدر المنثور " عند قوله تعالى : ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ﴾الآية (غافر 56) .

وممن نص على التواتر أيضاً الكتاني في " نظم المتناثر من الحديث المتواتر " (1/229) فقال : " والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة ، وكذا الواردة في الدجال ، وفي نزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام .

ونقل الأبي في شرحه على مسلم قول ابن رشد : " الأشراط عشرة المتواتر منها خمسة : الدجال ، ونزول عيسى ، وخروج يأجوج ومأجوج ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها " .

وقال المعلمي رحمه الله ( الأنوار الكاشفة 233) : " فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعاً ، ومن اطلع على ما في صحيح البخاري وحده علم ذلك " .

وحتى لو لم تصل إلى درجة التواتر ، فيكفينا تلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول مما يفيد القطع بثبوتها وصحتها .

من جهة الدراية

وإذا كانت أحاديث الدجال لا مطعن فيها من جهة الرواية لورودها من طرق متعددة تنفي عنها احتمال الضعف ، فهي كذلك لا مطعن فيها من جهة المعنى والدراية ، فهذه الأحاديث صريحة في أن الدجال رجل بعينه ، وليس هناك ما يدل على أنه رمز للخرافات والدجل والباطل ، والنبي - صلى الله عليه وسلم – بين لنا صفات الدجال أوضح بيان حتى يعرفه الناس ، ويحذروا من شره ، وذلك في أحاديث كثيرة صحيحة ، ومن هذه الصفات أنه : رجل ، شابٌّ ، أحمر ، قصير ، أفحج ، جعد الرأس ، أجلى الجبهة ، عريض النحر ، ممسوح العين اليمنى ، وهذه العين ليست بناتئة ولا جحراء ، كأنها عنبة طافية ، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة ، مكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) بالحروف المقطعة أو ( كافر ) بدون تقطيع ، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب ، فهل يمكن أن تكون كل هذه الأوصاف رموزاً للشر والدجل والباطل ؟!!.

كما أن هذه الروايات ليس بينها أي اختلاف ولا تعارض ، وإن وجد فإنه يمكن الجمع بينها ، كما في الروايات التي جاءت في مكان خروجه ، فبعضها جاء فيه أنه يخرج من خراسان ، وبعضها من المشرق ، وبعضها من يهودية أصبهان ، لأن أول ما يخرج الدجال من أصبهان ، من جهة خراسان ، وكلها في جهة المشرق .

وكما في بعض الأحاديث التي يصرح النبي - صلى الله عليه وسلم – باحتمال ظهوره في عصره ، وبعضها الآخر التي جاء التصريح فيها بأنه يخرج في آخر الزمان بعد فتح المسلمين لبلاد الروم ، لاحتمال أن يكون أوحي إليه بشيء عن خبره وشأنه من غير تعيين لزمانه ، ففهم النبي - صلى الله عليه وسلم – جواز أن يكون في عصره ، ثم بعد ذلك أعلمه الله أن ذلك سيكون في آخر الزمان قبيل الساعة .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣١٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣١٩٤