تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الأول: فلأن صدور المعجزة ليس من شروط النبوة على حكم هذا الإنجيل المتعارف، فعدم صدورها لا يدل على عدم النبوة.. في الآية الحادية والأربعين من الباب العاشر من إنجيل يوحنا هكذا: (فأتى إليه كثيرون، وقالوا إن يوحنا لم يفعل آية واحدة).. وفي الآية السابعة والعشرين من الباب الحادي والعشرين من إنجيل متى هكذا: (يوحنا عند الجميع نبي).. وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1835 (كلهم يحسبون يحيى نبياً). وقد وقع في الباب الحادي عشر من إنجيل متى قول عيسى عليه السلام في حقه: (إنه أفضل من نبي). فهذا الأفضل من الأنبياء لم تصدر عنه معجزة من المعجزات على شهادة كثيرين مع أن نبوته مسلمة عند المسيحيين.

وأما الأمر الثاني: فغلط بحت كما عرفت في الفصل الأول.

والأمر الثالث: إما غلط منهم أو تغليط. لأن المراد بما في قوله تعالى ما تستعجلون به الواقع في الآية الأولى، العذاب الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم﴾، ومعنى الآية ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ أي العذاب الذي تستعجلون به ﴿إن الحكم إلا للّه﴾ في تعجيل العذاب، وتأخيره ﴿يقص الحق﴾ أي يقضي القضاء الحق من تعجيل وتأخير، ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي القاضين. فحاصل الآية أن العذاب ينزل عليكم في الوقت الذي أراد اللّه إنزاله، ولا قدرة لي على تقدمه، أو تأخيره. وقد نزل عليهم يوم بدر وما بعده فلا تدل هذه الآية على أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم لم تصدر عنه معجزة.

وأما الآية الثانية فمعناها ﴿وأقسموا باللّه جهد أيمانهم﴾ مصدر في موضع الحال ﴿لئن جاءتهم آية﴾ من مقترحاتهم ﴿ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند اللّه﴾ هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء ﴿وما يشعركم﴾ استفهام إنكار ﴿أنها﴾ أي الآية المقترحة ﴿إذا جاءت لا يؤمنون﴾ أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون بها، وهذا القول يدل على أنه تعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون.

وأما الآية الثالثة فمعناها ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض﴾ أي أرض مكة ﴿ينبوعاً﴾ أي عيناً غزيرة لا ينضب ماؤها ﴿أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء﴾، ﴿أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً﴾ أي شاهداً على صحة ما تدعيه ضامناً لدركه ﴿أو يكون لك بيت من زخرف﴾ أي من ذهب ﴿أو ترقى في السماء﴾ أي في معارجها ﴿ولن نؤمن لرقيك﴾ وحده ﴿حتى تنزل علينا كتاباً﴾ من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس: قال عبد اللّه بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ﴿نقرؤه قل سبحان ربي﴾ تعجباً من اقتراحاتهم ﴿هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ كسائر الرسل. وما كان مقصودهم بهذه الاقتراحات إلا العناد، واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر. كما قال اللّه عز وجل: ﴿ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس﴾، ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء﴾، وكذا حال بعض آيات أخر، يفهم منه في الظاهر نفي إظهار الآية، لكن المقصود به نفي المعجزة المقترحة، ولا يلزم من هذا النفي، نفي المعجزات مطلقاً، ولا يلزم على الأنبياء أن يظهروا معجزة كلما طلبها المنكرون، بل هم لا يظهرون إذا طلب المنكرون عناداً أو امتحاناً أو استهزاء، وأورد لهذا الأمر شواهد من العهد الجديد:

(الأول) في الباب الثامن من إنجيل مرقس هكذا: 11 (فخرج الفريسيون وابتدؤوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه) 12 (فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق، أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية، فالفريسيون طلبوا معجزة من عيسى عليه السلام على سبيل الامتحان، فما أظهر معجزة، ولا أحال في ذلك الوقت إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل، ولا وعد بإظهارها فيما بعد أيضاً، بل قوله لن يعطى هذا الجيل آية، يدل على أن المعجزة لا تصدر عنه فيما بعد هذا البتة، لأن لفظ الجيل يشمل الجميع الذين كانوا في زمانه.

(الثاني) في الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: 8 (وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جداً لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه) 9 (وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء) 10 (ووقف رؤوساء الكهنة، والكتبة يشتكون عليه باشتداده) 11 (فاحتقره هيردوس مع عسكره واستهزأ به، وألبسه لباساً لامعاً ورده إلى بيلاطس) فعيسى عليه السلام ما أظهر معجزة في ذلك الوقت، وقد كان هيردوس يترجى أن يرى منه آية، والأغلب أنه لو رأى لألزم اليهود على اشتكائهم ولما احتقر مع عسكره ولما استهزأ.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٠٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٠٢٥