وقد افتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه . . عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغزى له , فأفاء الله عليه . فقال لأصحابه:" هل تفقدون من أحد ? " قالوا:نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال:" هل تفقدون من أحد ? " قالوا:نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال:" هل تفقدون من أحد ? " فقالوا:لا . قال:" لكني أفقد جليبيبا " فطلبوه , فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه , ثم قال:" قتل سبعة ثم قتلوه . هذا مني وأنا منه . هذا مني وأنا منه " . ثم وضعه على ساعديه , ليس له سريرا إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم قال:فحفر له , ووضع في قبره ولم يذكر غسلا .
بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد . ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء , طليقا من قيود الأرض , بينما هو يعيش على الأرض . . وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام . المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله , وبعمل رسول . والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند الله , وأن الذي جاء به للناس رسول !
وكان من تدبير الله لهذا الأمر أن يليه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه الأول أبو بكر , وصاحبه الثاني عمر . . أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر , وأشد اثنين انطباعا بهدى رسول الله , وأعمق اثنين حبا لرسول الله , وحرصا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه .
حفظ أبو بكر - رضي الله عنه - عن صاحبه صلى الله عليه وسلم ما أراده في أمر أسامة . فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة , على رأس الجيش الذي أعده رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة . أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل . فيستحيي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي . فيقول:" يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن " . . فيقسم الخليفة:" والله لا تنزل . ووالله لا أركب . وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ? " . .
ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر . وقد حمل عبء الخلافة الثقيل . ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة . وأسامة هو الأمير . فلا بد من استئذانه فيه . فإذا الخليفة يقول:" إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل " . . يالله ! إن رأيت أن تعينني فافعل . . إنها آفاق عوال , لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله , على يدي رسول من عند الله !
ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة .
ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام , وأبو سفيان بن حرب , وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء ! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال . لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر . فتورم أنف أبي سفيان , ويقول بانفعال الجاهلية:"لم أر كاليوم قط . يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ! " . . فيقول له صاحبه - وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام:"أيها القوم . إني والله أرى الذي في وجوهكم . إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم . دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم . فأسرعوا وأبطأتم . فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم ? " .
ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر . حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك قال له:"يا بني . كان زيد - رضي الله عنه - أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ! وكان أسامة - رضي الله عنه - أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ! فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي" . . يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان مقوما بميزان السماء !
ويرسل عمر عمارا ليحاسب خالد بن الوليد - القائد المظفر صاحب النسب العريق - فيلببه بردائه . . ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده . . وخالد لا يرى في هذاكله بأسا . فإنما هو عمار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال !
وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر - رضي الله عنهما - هو سيدنا وأعتق سيدنا . يعني بلالا . الذي كان مملوكا لأمية بن خلف . وكان يعذبه عذابا شديدا . حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه . . وعنه يقول عمر بن الخطاب . . عن بلال . . سيدنا !
وعمر هو الذي قال:"ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته" يقول هذا , وهو لم يستخلف عثمان ولا عليا , ولا طلحة ولا الزبير . . إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحدا بذاته !
وعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يرسل عمارا والحسن بن علي - رضي الله عنهما - إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة - رضي الله عنها - فيقول:"إني لأعلم أنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة , ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها" . . فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين , وبنت الصديق أبي بكر - رضي الله عنهم جميعا .
وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن . فيقول لهم:"أنا بلال بن رباح , وهذا أخي أبو رويحة , وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه , وإن شئتم أن تدعوا فدعوا " . . فلا يدلس عليهم , ولا يخفي من أمر أخيه شيئا , ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول . . فيطمئن القوم إلى هذا الصدق . . ويزوجون أخاه , وحسبهم - وهو العربي ذو النسب - أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه !
واستقرت تلك الحقيقة في المجتمع الإسلامي , وظلت مستقرة بعد ذلك آمادا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة . "وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمة . وكان عبد الله ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع . وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين . وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز . وفي البصرة كان الحسن البصري . وفي مكة كان مجاهد بن جبر , وعطاء بن رباح , وطاووس بن كيسان هم الفقهاء . وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة " . .
وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها . . وفي اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم . ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبا جدا بعد أن طغت الجاهلية طغيانا شاملا في أنحاء الأرض جميعا . وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية . وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية . أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى , التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها ; وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها . وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى . .
ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية ; وأن يتحقق على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة , والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة . .