تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من المعلوم يقيناً لكل باحث منصف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اتجه قلبه الشريف إلى غير رب العالمين حنيفاً و ما كان من المشركين ، و هذا الحق تجزم به العقول و يشهد له المنقول، قال ابن اسحق: [ شب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله و يحفظه و يحوطه من أقار الجاهلية، لما يريد من كرامته و رسالته حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، و أحسنهم خلقاً و أكرمهم حسباً ، و أحسنهم جواراً ، و أعظمهم حلماً ، و أصدقهم حديثاً ، و أعظمهم أمانة ، و أبعدهم عن الفحش و الأخلاق التى تدنس الرجل تنزهاً و تكرماً ، حتى ما اسمه فى قومه إلا الصادق الأمين، لما جُمع فيه من الأمور الصالحة ]

و قد أعد الله تعالى الأجواء و هىء الظروف لاستقبال النبأ العظيم بمبعث النبى الكريم، فاستلزم ذلك حفظه و حفظ دعوته من قبل أن تبدأ ، و من ذلك:

أ- حادثة الفيل الشهيرة، حين أراد أبرهة الأشرم و هو أحد النصارى الأحباش غزو الكعبة المشرفة و هدمها لتكون كنيسته الخسيسة التى بناها فى صنعاء قبلة للعرب عوضاً عنها ، فهزمه الله تعالى و أرنا فيه أية خالدة تشهد لصدق الرسالة المحمدية و لعظيم مكانة بيت الله الحرام، و هذه القصة متواترة فى كتاب الله و سنة نبيه المصطفى كما هو معلوم.

ب- حادثة إتيان الملكين رسول الله (صلى الله علية و سلم) و هو طفل صغير فشقا صدره الجميل و أخرجا قلبه فغسلاه و استخلصاه من نصيب الشيطان ، قال ابن اسحق [حدثنى ثور بن يزيد عن خالد بن ممدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك، قال: نعم ، أنا دعوة أبى إبراهيم و بشرى عيسى عليهما السلام ، و رأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، و استرضعت فى بنى سعد بن بكر ، فبنا أنا بهم اتانى رجلان عليهما ثياب بيض معهما ظشت من ذهب مملوء ثلجاً فأضجعانى فشقا بطنى ثم استخرجا قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فالقياها ، ثم غسلا قلبى و بطنى بذلك الثلج ....الحديث] قال الحافظ ابن كثير اسناده جيد قوى

و روى أحمد هذا الخبر من طريق بقية ابن الوليد ، و كذا رواه عبد الله ابن المبارك من ذات الطريق، و رواه ابن عساكر من طريق أبو داود الطيالسى و عن أبى ابن كعب ، و رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ابن مالك

و هذه الروايات جازمة فى اثبات طهارة رسول الله صلى الله عليه وسلم و عصمته من غواية الشياطين منذ طفولته

ج- حادثة الراهب بحيرى حين مرت به قافلة قريش و بها رسول الله و هو ابن اثنتى عشر سنة، فأعد لهم وليمة ، و أخذ يتفرس فى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى فيه من علامات النبوة ، قال ابن اسحق [..... حتى إذا فزع القوم من طعامهم و تفرقوا قام إليه بحيرى و قال: يا غلام ، أسألك بحق اللات و العزى ألا أخبرتنى عما أسئلك عنه؟ و إنما قال بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألنى باللات و العزى شيئاً، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضها....الحديث ]

د- و كذلك فى الحديث الذى رواة الشيخان و بلفظ الإمام أحمد قال (حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يقول لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان حجارة فقال عباس اجعل إزارك على رقبتك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال إزاري إزاري فشد عليه إزاره )

مسند جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه باقي مسند المكثرين مسند أحمد

فهذا الحديث أيضاً يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم و كيف أن ربه تعالى عصمه من عادات الجاهلية السيئة حتى و إن لم تكن عقائدية !

ملحوظة:

عجبت من استخدام بعض الجهال من عباد الصليب لهذا الحديث للطعن فى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه يحكى واقعة حدثت قبل البعثة و قبل نزول الشريعة، و مع أن الحديث يشتمل على كرامة لرسول الله لا تخفى على ناظره، فهو دليل عصمته لا مطعن فى شخصه!! ، إلا أن منهج القوم الإنتقائى الناجم عن حقدهم الدفين على نبيهم صلوات الله و سلامه عليه ، مسخ أبصارهم و جعلهم يرون الحق باطلاً و الباطل حقاً ، و كان أولى بهم أن ينظروا حال أنبياءهم السكارى العراة الزناة ، أو حال إلههم الذى خلع منشفته التى كانت تستره ليمسح بها أقدام عباده! و الذى جرده العبيد من ثيابه و كشفوا عورته المغلظة و ألبسوه ثياب الأراجوزات! الحمد لله على نعمة الإسلام

ه- وكذا من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلن يعتزل قومه و يذهب للتعبد بغار ثور مختلياً بربه يناجيه بعيداً عن الأصنام و الاوثان و رجزهم،

فكل هذه الشواهد النقلية و غيرها تعكس لنا صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام

حتى أننا نقرأ عن صفة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وُلد مسروراً مختوناً رافعاً رأسه إلى السماء

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٩٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٩٣١