تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلقوه بالقبول على أنه واقعة عين بسالم لا تتعداه إلى غيره ، ولا تلح للاحتجاج بها. قال الحافظ ابن عبد البر : " هذا يدل على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به ، ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه ، بل تلقوه على أنه خصوص " . (شرح الزرقاني على الموطأ 3/292)، وقال الحافظ الدارمي عقب ذكره الحديث في سننه : " هذا لسالم خاصة "

وبذلك صرحت بعض الروايات ، ففي صحيح مسلم عن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَقُولُ : أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بَّضَاعَةِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً ، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا .

إن قصة رضاعة سالم قضية عين لم تأت في غيره ، واحتفت بها قرينة التبني ، وصفات لا توجد في غيره ، فلا يقاس عليه .

ثم ننتقل إلى نقطة أخرى: هل قوله - عليه الصلاة و السلام - أرضعيه يحتم ملامسة الثدي كما يدعي النصارى؟ بالطبع النصراني لديه قائمة طويلة من استشهادات اللغويين العرب و علماء المسلمين بأن الرضاع هو مص الثدي و بالتالي طالما قال النبي "أرضعيه" فهو يقصد لا محالة هذا المعنى المباشر و لا شيء سواه !

حسنٌ، سنجيب على هذه الجدلية نقطة بنقطة بعون الله و لنبدأ أولاً بمقصد اللغويين و العلماء من تعريفهم للرضاع بمص الثدي: هل كانوا يقصدون الكبير؟ و هل قصروا التعريف على المص المباشر؟ لنر كيف عرفوا الرضاع …

الرضاع بالفتح والكسر (رَضاع - رِضاع ): اسم من الإرضاع - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/229).

وهو اسم لمص الثدي وشرب لبنه - الإقناع للشربيني (2/364) والروض المربع شرح زاد المستنقع لمنصور البهوتي (3/218).

وشرعاً: اسم لحصول لبن امرأة أو ما يحصل منه في معدة طفل أو دماغه - الإقناع للشربيني (2/364) .

وقال الجرجاني: هو مص الرضيع من ثدي الآدمية في مدة الرضاع - التعريفات للجرجاني (111).

وعرفه بعض العلماء بأنه: مصُ مَنْ دون الحولين لبنا ثاب عن حمل، أو شربه ونحوه - السلسبيل في معرفة الدليل للبليهي (3/95) وانظر الروض المربع (3/218) .

فظهر من هذه النماذج أن المقصود بالمص من الثدي إنما هو الرضيع أو ما دون الحولين و لا مكان للكبير هنا يا سادة يا كرام . و كذلك شرب اللبن بدون مباشرة الثدي يصح أن يكون رضاعاً . و قبل أن يتحفز النصارى للرد نسأل بكل هدوء و عقلانية: هل الطفل الذي يشرب الحليب من غير رضعه من الثدي مباشرة يثبت له حكم الرضاعة أم لا؟

الجواب أنه يثبت حسب قول الجمهور و لم يخالف سوى داود بن خلف الظاهري - مؤسس المذهب الظاهري المنقرض - و قد قاد هذا الموقف الشاذ للمدرسة الظاهرية ابن حزم الظاهري إلى رأي غاية في الشناعة بخصوص رضاع الكبير لا يوافقه عليه أحد من العلماء . قال فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين : " استدلال ابن حزم بقصة سالم على جواز مس الأجنبي ثدي الأجنبية ، والتقام ثديها ، إذا أراد أن يرتضع منها مطلقا ، استدلال خطأ ، دعاه إليه أن الرضاعة المحرمة عنده إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه" .

إذن إذا كان شرب اللبن بدون مباشرة الثدي يثبت حكم الرضاع للصغير فأولى به الكبير ، أليس كذلك ؟!

قال أبو عمر : صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه ، فأما أن تلقمه المرأة ثديها ، فلا ينبغي عند أحد من العلماء .

وقال القاضي عياض : ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها ، ولا التقت بشرتاهما ، إذ لا يجوز رؤية الثدي ، ولا مسه ببعض الأعضاء .

قال النووي : وهو حسن

(شرح الزرقاني على الموطأ 3/292 ) . انتهى الاقتباس حسب الحاجة .

فما رأي النصارى الأصاغر في هذا التعريف القاطع لرضاع الكبير ؟ لقد قالها الحافظ الكبير أبو عمر ابن عبد البر واضحة صريحة لا تقبل المناقشة و الجدال "صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه ، فأما أن تلقمه المرأة ثديها ، فلا ينبغي عند أحد من العلماء" و هذا هو القول الحق الذي يليق بالرسول - صلى الله عليه و سلم - و عليه المسلمون شرقاً و غرباً . أما النصارى الذين أفسدت عقولهم و قلوبهم النصوص الجنسية بكتابهم فهم لا يرون سوى انعكاس قلوبهم المريضة و عقولهم العليلة في الحديث !

و ها هو دليل آخر من كلام ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه) و هو عالم نحوي ليس له مثيل و خبير باللغة العربية و معانيها ..

قال ابن قتيبة :

فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم - بمحلها عنده، و ما أحب من ائتلافهما، و نفي الوحشة عنهما - أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة، و يطيب نفسه بدخوله فقال لها "أرضعيه".

و لم يرد: ضعي ثديك في فيه، كما يفعل بالأطفال.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٨١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٨١٠