تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا مما يدل على أن أول من نطق بهذه العبارة هو القرآن الكريم ، لأنه لو كان امرؤ القيس قد قالها قبل القرآن الكريم ، لما كان للفصل الذي عقده فائدة ، ولكانت الخنساء قد ضمنت أبيات امرىء القيس في شعرها ، لا آيات القرآن الكريم ، ولكان القرآن الكريم نفسه قد ضمن أبيات امرأ القيس ، لكن لأن الأبيات الثلاثة المنحولة على امرىء القيس والتي سبق ذكرها أول البحث ، وأولها :

إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها

لكون تلك الأبيات لا وجود لها في عصر ابن داود الظاهري ، لم يذكرها أو يشر إليها ، بل كان الفصل الذي عقده في الآيات القرآنية التي استعان بها الشعراء .

الوجه التاسع : أن غاية ما ذكر في كتب بعض المتقدمين مما نحل على امرىء القيس ، وذكر لفظه في القرآن الكريم ، ما نسب إليه من قوله :

أنا منْ قومٍ كرامٍ يطعمونَ الطيباتِ

بجفانٍ كالجوابي وقدورٍ راسياتِ

هذان هما البيتان الوحيدان اللذان ذكرهما بعض المتقدمين منسوبين إلى امرىء القيس ، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا في صحة نسبتهما إليه ، فذكر ابن أبي الأصبع - المتوفى سنة 654 هـ - في كتابه " تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر" ص486 عندما تكلم عن الإيداع أو التضمين ، وما قيل من وقوع ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ﴾، قال : " على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة ، وتكلم على الآية الكريمة ، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به ."

ونقل عبد الرحيم العباس - المتوفى 963 هـ - في كتابه : " معاهد التنصيص على شواهد التلخيص " ص 2297 – قول ابن أبي الأصبع ، وأقره ثم أعقبه بقوله :" قلت : وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته ، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والروي " اهـ .

فهذه كتب الأدباء والعلماء ، وأساطين اللغة والشعر الذي اطلعوا على أشعار العرب ودواوين امرئ القيس حتى نهاية القرن العاشر الهجري ، لا ينسبون إلى امرئ القيس أي شيء من هذا القبيل ، ولو أنهم اطلعوا على غيرها من الأبيات لذكروه ، سواء صحت نسبته أم لم تصح .

الوجه العاشر : أن أي نقد يوجه إلى شيء من الأبيات المنسوبة إلى امرىء القيس ، يوضح ضعف سبكها ، وتهلهل نسجها ، وسقم معناها ، وسخف بعض التراكيب فيها ، فالبيت الذي فيه :

اقتربت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر

ما المراد بالساعة واقترابها ، إن كان المراد بالساعة يوم القيامة ، فالجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعاد ، فضلا عن أن يذكروه في أشعارهم أو يضعوه في قصائدهم ، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبيبة كما يزعم البعض ، فما المراد حينئذ بقوله ( وانشق القمر ) ، فإن كان المراد انشقاق القمر فعلا ، فهذا كذب ، إذ لم ينشق القمر في عهدهم أبدا ، بل انشق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت بذلك الروايات ، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة ، فليس من عادة العرب التعبير عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر ، وأي جمال في انشقاق القمر إذا انشق ، وما وجه الحسن في انشقاقه ليشبه به المحبوبة ، وقد دأب العرب على تشبيه حسن النساء بالبدر حين اكتماله ، لا بانشقاق القمر ، ثم انظر إلى ركاكة الأسلوب في البيت السابق وقارنه بقول امرىء القيس في معلقته :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل

وقوله :

مكر مفر مقبل مدر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل

وقوله :

ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي

بل قارن الأبيات التي هي موضع

الشبهة ، والتي ذكرت أول البحث ، بما ثبت نحله على امرىء القيس ، وجزم بأنه ليس من قوله ، مثل :

ترى القنة الحقباء منها كأنها كميت يبارى رعلة الخيل فارد

ومثل :

وآليت لا أعطي مليكا مقادتي ولا سوقة حتى يئوب ابن مندله

ومثل :

فجعت به في ملتقى الحي خيله تركت عناق الطير تحجل حوله

وإذا قرأت الأبيات السابقة ، والتي ثبت أنها منحولة على امرىء القيس ، علمت أن الأبيات التي هي موضع

الشبهة مكذوبة لا شك في ذلك ، وأنها من أردأ المنحول .

الوجه الحادي عشر : أن البيت الذي فيه :

مر يوم العيد بي في زينة فرماني فتعاطى فعقر

يظهر منه ركاكة الأسلوب ، فإن قوله ( فتعاطى ) جاء بعد قوله ( فرماني ) ، فإذا كان قد رماه ، فأي شيء تعاطاه ، والتعاطي هو تناول الشيء ، فلماذا يتعاطى شيئا بعد أن رماه ، وكان المفترض أن يتعاطى شيئا ثم يرميه به ، لا أن يرميه ثم يتعاطى ، وقد جاء بعد هذا البيت :

بسهام من لحاظ

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٤٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٤٤٠