تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع:أن الدعوة الإسلاميّة مرت بمراحل متعددة في سيرها الطولى، وقد كان القرآن الكريم يواكب هذه المراحل ويماشيها في عطائه وطبيعة أسلوبه، وهذا كان يفرض أن تعرض القصة الواحدة بأساليب متفاوتة في الطول والقصر.. نظراً لطبيعة الدعوة وطريقة بيان المفاهيم والعبر فيها، كما نجد ذلك في قصص الأنبياء حين تعرض في السورة القصيرة المكية ثم يتطور العرض بعد ذلك إلى شكل أكثر تفصيلاً في السور المكية المتأخرة أو السور المدنية.

الخامس:أن تكرار القصة لم يأت في القرآن الكريم بشكل يتطابق فيه نص القصة مع نص آخر لها، بل كان فيها شيء من الزيادة والنقيصة. وإنّما تختلف الموارد في بعض التفاصيل وطريقة العرض، لأن طريقة عرض القصة القرآنية قد تستبطن مفهوماً دينياً يختلف عن المفهوم الديني الآخر الذي تستبطنه طريقة عرض أخرى. هذا الأمر، الذي نسميه بالسياق القرآني، يقتضي التكرار أيضاً، لتحقيق هذا الغرض السياقي الذي يختلف عن الغرض السياقي الآخر لنفس القصة، وسوف تتضح معالم هذه النقاط بشكل أكثر عند دراستنا التطبيقية التالية لقصة موسى في القرآن الكريم.

وقد ذكر السيوطي في الإتقان عدة أسباب أخرى ينسبها إلى «البدر بن جماعة» في كتابه(المقتنص في فوائد تكرار القصص).

منها:ما ذكره الشيخ الطوسي آنفاً.

ومنها:أن ذلك كان من وسائل التحدي بالقرآن لاختلاف القصة بالنظم، ومع ذلك عجز العرب عن الإتيان بمثله.

وذكر أسباباً أخرى فيها تكرار لهذه الأسباب(4).

اختصاص القصة بأنبياء الشرق الأوسط

وثمة ظاهرة أخرى هي أن القرآن الكريم تحدث عن مجموعة من الأنبياء كانوا يعيشون جميعاً في منطقة الشرق الأوسط، أي المنطقة التي كان يتفاعل معها العرب الذين نزل القرآن في محيطهم ومجتمعهم. وقد تفسر هذه الظاهرة بأن النبوات كانت بالأصل في هذه المنطقة، ومن خلالها انتشر الهدى في جميع أنحاء العالم، ويؤيد ذلك الاستعراض التاريخي للنبوات وتاريخ الإنسان في التوراة، وبعض الأبحاث الآثارية والروايات الدينية خصوصاً الواردة عن أهل البيت ـ عليهم السلام ـ، وحينئذ يصبح تفسير هذه الظاهرة واضحاً، وهو أن الواقع التاريخي للحياة الإنسانية فرض هذه الظاهرة.

ولكن توجد شواهد في القرآن الكريم تنفي هذا التفسير لهذه الظاهرة، فالقرآن يشير في بعض آياته إلى أن هناك مجموعة أخرى من الأنبياء لم يتحدث عنهم القرآن الكريم، مع أن حياتهم لابد وأنها كانت زاخرة بالأحداث، شأنهم في ذلك شأن الأنبياء الآخرين:

?انّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما?(5).

كما أنّ هذا المضمون جاء أيضاً في سورة(غافر / 78)، علماً بأن سورة النساء من السورة المدنية المتأخرة، ومن هنا فلا مجال لاحتمال أن هذه الآية نزلت في فترة زمنية لم يكن القرآن قد تعرض فيها إلى جميع قصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.

وهناك مجموعة من الآيات تدل على أن الأنبياء والرسل كانوا يبعثون إلى كل قرية ومدينة لإقامة الحجة من الله على الناس، كما نفهم من الآية (165) من سورة النساء، التي جاءت في سياق الآيتين السابقتين. ?رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما?(6).

بالإضافة إلى موارد أخرى لها هذه الدلالة:

?ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ?(7).

?وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبين لهم ما يتقون..?(8).

?ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون?(9).

?إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير?(10).

وجاء التعبير في بعض الآيات عن ذلك بوجود الشهيد في كل أمة(النساء:41 ـ النحل:84 ـ القصص:75).

ومن هنا فلابد من تفسير هذه الظاهرة بتفسير آخر كأن يكون الغرض الأساس من القصة كما ذكرنا هو انتزاع العبرة واستنباط القوانين والسنن التاريخية منها، ولم يكن الغرض من القصة السرد التاريخي لحياة الأنبياء أو كتابة تاريخ الرسالات، ولذلك يتحدث القرآن عن الأمور العامة المشتركة بين هؤلاء الأنبياء، عدا بعض الموارد التي يكون هناك غرض خاص في طرح بعض القضايا فيها.

ولما كان تأثير القصة في تحقيق هذه الأغراض يرتبط بمدى إيمان الجماعة بواقعيتها، وإدراكهم لحقائقها، ومدى انطباق ظروفها على ظروف الجماعة نفسها، لذا تكون القصة المنتزعة من تاريخ الأُمة نفسها، ومن واقعها وظروفها وحياتها أكثر تأكيداً وانطباقاً على السنّة التاريخية، وأكثر تأثيراً في الواقع الروحي والنفسي للجماعة، وقد أكدنا سابقاً أن صفة «الواقعية» من الصفات التي تتميز بها القصة القرآنية.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٣٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٣٩٨