تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما قوله : ﴿ وَءالِهَتَكَ ﴾ قال أبو بكر الأنباري : كان ابن عمر ينكر قراءة العامة ، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك ، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ، قال ابن عباس : أما قراءة العامة ﴿ وَءالِهَتَكَ ﴾ فالمراد جمع إله ، وعلى هذا التقدير : فقد اختلفوا فيه . فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً ، وأمرهم بعبادتها . وقال : ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ ورب هذه الأصنام ، فذلك قوله : ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ وقال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام . وأقول : الذي يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا : إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه ، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل . بل الأقرب أن يقال إنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع ، وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب ، وأما المجدي في هذا العلم للخلق ، ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ، فقوله : ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم . وقوله : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنَ إله غَيْرِى ﴾ [ القصص : 38 ] أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلا أنا ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير : فلا امتناع في حمل قوله تعالى : ﴿ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ﴾ على ظاهره ، فهذا ما عندي في هذا الباب ، والله أعلم .

-----------

في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 275)

إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره؛ أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية . إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه؛ وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى الأمور . وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه ، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك ، كما هو ظاهر من قول الملأ له : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية . إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم ، لا يعصون له أمراً ، ولا ينقضون له شرعاً . . وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة . . فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه ، وذلك هو تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى عن اليهود والنصارى : ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . . . الآية ﴾ عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانياً جاء ليسلم - فقال : يا رسول الله ما عبدوهم .

فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال؛ فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم » . . ( أخرجه الترمذي ) .

أما قول فرعون لقومه : ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه : ﴿ اليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ، أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين . ولا يكاد يبين؟ فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين؟ ﴾ وظاهر أنه كان يوازي بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك ، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة! . وما قصد بقوله : ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء؛ والذي يتبعون كلمته بلا معارض! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي! وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم! سواء قالها أم لم يقلها! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون :

﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ، ويذرك وآلهتك؟ ﴾ . .

فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده؛ حيث يترتب عليها تلقائياً بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله . إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض ، بقلب نظام الحكم ، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر ، وإنشاء وضع آخر مخالف تماماً لهذه الأوضاع ، الربوبية فيه لله لا للبشر . ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه . .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٣٢٠