تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً ﴾ وحاش فعل ماض ، واللام فى " لله " للتعليل ، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله فى خلقه أى : وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن : تنزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا الجمال البديع ، وما هذا الذى نراه أمامنا بشرا كسائر البشر ، لتفرقه فى الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل فى هذه الصورة البديعة التى تخلب الألباب .

ووصفوه بذلك بناء على ما ركز فى الطباع من تشبيه ما هو مفرط فى الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان .

وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، الائى عذلنها فى حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفى ، وبدون استحياء أو تلميح : ﴿ قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ .

والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائى قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف ، والإِشارة إليه - عليه السلام - .

أى : قالت لهن على سبيل التشفى والتباهى والاعتذار عما صدر منها معه : إن كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذى لمتننى فى حبى له ، وقلتن ما قلتن فى شأنى لافتتانى به ، فالآن بعد رؤيتكن له ، وتقطيع أيديكن ذهولا لطلعته ، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث منى معه . .

ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجيب فقالت :

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم . . ﴾ أى : والله لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه ، فأبى وامتنع امتناع بليغا ، وتحفظ تحفظا شديدا .

والتعبير بقوله " فاستعصم " للمبالغة فى عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع . يقال : عصمه الطعام أى : منعه من الجوع ، وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها .

وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم يصدر منه ما سوَّد به القصَّاص وجوه الطروس - أى الأوراق .

ثم قالت أمامهن بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد : ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين ﴾

أى : والله لقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولله لئن لم يفعل ما آمر به ، - وأنا سيدته الآمرة الناهية لا غيرى - ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ، أى : من الأذلاء المهانين المقهورين ، من الصغار .

يقال : صغر فلان - كفرح - يصغر صغارا ، إذا ذل وهان .

قالوا : وأكدت السجن بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه فى نظرها ، وأكدت الصغار بالنون الخفيفة لأنه غير متحقق فيه ، ولأنه من توابع السجن ولوازمه .

وفى هذا التهديد ما فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، وأنه لا يستطيع أن يعصى لها أمرا ، مع أنه عزيز مصر . .

ويترامى على مسامع يوسف - عليه السلام - هذا التهديد السافر . . فيلجأ إلى ربه مستجيرا به ، ومحتميا بحماه ويقول : ﴿ قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ . . . ﴾

أى : قال يوسف - عليه السلام - متضرعا إلى ربه - تعالى - يا رب السجن الذى هددتنى به تلك المرأة ومن معها ، أحب إلى ، وآثر عندي مما يدعوننى إليه من ارتكاب الفواحش .

وقال أحب إلى مما يدعوننى إليه ، ولم يقل مما تدعونى إليه امرأة العزيز ، لأنهن جميعا كن مشتركات فى دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه ، وبعد أن سمعن ما قالته فى شأنه ربة الدار . .

قال الآلوسى : " وإسناد الدعوة إليهن ، لأنهن خوفنه من مخالفتها ، وزين له مطاوعتها .

فقد روى أنهن قلن له أطع مولاتك ، واقض حاجتها ، لتأمن عقوبتها . . وروى أن كل واحدة منهن طلبت الخلوة به لنصيحته ، فلما خلت به دعته إلى نفسها . .

وقوله : ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين ﴾ واعتراف منه - عليه السلام - بضعفه البشرى الذى لا قدرة له على الصمود أمام الإِغراء ، إذا لم يكن معه عون الله - تعالى - وعنايته ورعايته .

و ﴿ أصب ﴾ من الصبوة وهى الميل إلى الهوى ، يقال : صبا فلان يصبو صبوا وصبوة ، إذا مال إلى شهوات نفسه واتبع طريق الشر ، ومنه ريح الصبا ، وهى التى تميل إليها النفوس لطيب نسيمها واعتدال هوائها .

والمعنى : وإلا تدفع عنى يا إلهى كيد هؤلاء النسوة ، ومحاولاتهن إيقاعى فى حبائلهن ، أمل إليهن . وأطاوعهن على ما يردنه منى ، وأكن بذلك من الجاهلين السفهاء الذين يخضعون لأهوائهم وشهواتهم ، فيقعون فى القبائح والمنكرات .

وقوله - سبحانه - ﴿ فاستجاب لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ بيان لتقبل الله - تعالى - لدعائه بفضله ورحمته .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٣١٦