2- والدليل على صحة ما فى القرآن: هو أن قابين لما قتل هابيل ؛ ولد حنوك ولد عيراد ، وعيراد ولد محويائيل ، ومحويائيل ولد متوشائيل ، ومتوشائيل ولد لامك ، ولامك ولد يابال. الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى. واسم أخيه يوبال الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار ، واسم أخيه توبال قابين. الضارب كل آلة من نحاس وحديد [تكوين 4].
قوله عن الثلاثة: الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى ـ الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار ـ الضارب كل آلة من نحاس وحديد ؛ يدل على أنه كان من الناجين غير أبناء نوح. ولذلك قال مفسرو التوراة: " وسلالة قابين سلالة الحياة المدنية ، وسلالة شعث سلالة الحياة القدسية ".
--------------------
في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 211)
﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه : ما نراك إلا بشراً مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين ﴾ . .
ذلك رد العلية المتكبرين . . الملأ . . كبار القوم المتصدرين . . وهو يكاد يكون رد الملأ من قريش : ما نراك إلا بشراً مثلنا ، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين .
الشبهات ذاتها ، والاتهامات ذاتها ، والكبرياء ذاتها ، والاستقبال الغبي الجاهل المتعافي!
إنها الشبهة التي وقرت في نفوس جهال البشر : أن الجنس البشري أصغر من حمل رسالة الله؛ فإن تكن رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر . وهي شبهة جاهلة ، مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه ، وهي وظيفة خطيرة ضخمة ، لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الإستعداد والطاقة ، وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيأون لحمل الرسالة ، باختيار الله لهم ، وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه .
وشبهة أخرى جاهلة كذلك . هي أنه إذا كان الله يختار رسولاً ، فلم لا يكون من بين هؤلاء الملأ الكبراء في قومهم ، المتسلطين العالين؟ وهو جهل بالقيم الحقيقية لهذا المخلوق الإنساني ، والتي من أجلها استحق الخلافة في الأرض بعمومه ، واستحق حمل رسالة الله بخصوصيته في المختارين من صفوفه . وهذه القيم لا علاقة لها بمال أو جاه أو استطالة في الأرض ، إنما هي في صميم النفس ، واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى ، بما فيها من صفاء وتفتح وقدرة على التلقي ، واحتمال للأمانة وصبر على أدائها ومقدرة على إبلاغها . . إلى آخر صفات النبوة الكريمة . . وهي صفات لا علاقة لها بمال أو جاه أو استعلاء!
ولكن الملأ من قوم نوح ، كالملأ من قوم كل نبي تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية ، فلا يدركون مبرراً لاختصاص الرسل بالرسالة . وهي في زعمهم لا تكون لبشر . فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض!
﴿ وما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ . .
هذه واحدة . . أما الأخرى فأدهى :
﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ، بادي الرأي ﴾ !!
وهم يسمون الفقراء من الناس « أراذل » . . كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً؛ لأنهم بفطرتهم أقرب إلىلإستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء ، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء .
ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف . ولم تعوقها المصالح عن الإستجابة؛ ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها . وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلاً من الإتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك . فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض . ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائماً ، ويصدون عنها الجماهير؛ ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنفير .
﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ . .
أي دون ترو ولا تفكير . . وهذه تهمة كذلك توجه دائماً من الملأ العالين لجموع المؤمنين . . أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات . ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها ، ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها ، ولا أن يسلكوا طريقها . فإذا كان الأراذل يؤمنون ، فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل؛ ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون!
﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ . .