وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد ، كهم يوسف هذا ، بدليل قوله : ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ [ آل عمران : 122 ] لأن قوله : ﴿ والله وَلِيُّهُمَا ﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية ، لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية .
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة ، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه : هذا ما يهمني ، ويقول فيما يحبه ويشتهيه : هذا أهم الأشياء إلي ، بخلاف هم امرأة العزيز ، فإنه هم عزم وتصميم ، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها ، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه .
ومثل هذا التصميم على المعصية : معصية يؤاخذ بها صاحبها ، بدليل الحديث الثات في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة :
« إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال : « إنه كان حريصاً على قتل صاحبه » فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيه أدخله الله بسببها النار .
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل ، كقول العرب : قتلته لو لم أخف الله ، أي قاربت أن اقتله ، كما قاله الزمخشري .
وتأويل الهم بأنه هم بضربها ، أو هم بدفعها عن نفسه ، فكل ذلك غير ظاهر ، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه .
والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان : أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً ، بل هو منفى عنه لوجود البرهان .
قال مقيدة عفا الله عنه : هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان ةغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية ، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب : أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه ، كقوله : ﴿ فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ [ يونس : 84 ] اي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه ، فالأول : دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب ، لأن جواب الشروط وجواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ لا يتقدم ، ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة . وكقوله : ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ البقرة : 111 ] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم .
وعلى هذا القول : فمعنى الآية ، وهم بها لولا رأى برهان ربه ، أي لولا أن رآه هم بها . فما قبل ﴿ لولا ﴾ هو دليل الجواب المحذوف ، كما هو الغالب في القرآن واللغة .
ونظير ذلك قوله تعالى : ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ [ القصص : 10 ] فما قبل ﴿ لَوْلاَ ﴾ دليل الجواب . أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به .
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب ﴿ لولا ﴾ وتقديم الجواب في سائر الشروط : وعلى هذا القول يكون جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ في قوله : ﴿ لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ هم ما قبله من قوله : ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ .
وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون ، ومن أعلام البصريين : ابو العباس المبرد ، وأبو زيد الأنصاري .
وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه : والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ألبتة ، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان . كما تقولك لقد قارفت لولا أن عصمك الله . ولا نقول : إن جواب ﴿ لولا ﴾ متقدم عليها ، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك ، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها . وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ، ومن أعلام البصريين : أبو زيد الأنصاري ، وأبو العباس المبرد .
بل نقول : إن جواب ﴿ لَولاَ ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه ، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب : انت ظالم إن فعلت .