تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة ، أي راودته مباعدة له عن نفسه ، أي بأن يجعل نفسه لها . والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه .

وأما تعديته ب ( على ) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله . ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام : وفي حديث الإسلاء «فقال له موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه» .

والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله : ﴿ التي هو في بيتها ﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السّلام لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها .

و ﴿ بيتها ﴾ بيت سكناها الذي تبيت فيه . فمعنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به ، ويجوز أن يكون المراد بالبيت : المنزل كله ، وهو قصر العزيز . ومنه قولهم : ربة البيت ، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه من جملة أتباع ذلك المنزل .

وغلق الأبواب : جَعْل كل باب سادّاً للفرجة التي هو بها .

وتضعيف ﴿ غلّقت ﴾ لإفادة شدة الفعل وقوته ، أي أغلقت إغلاقاً محكماً .

والأبواب : جمع باب . وتقدم في قوله تعالى : ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ [ سورة المائدة : 23 ] .

وهَيتَ } اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ . قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية ، وهي نبطية . وقيل : هي من اللغة العبرانية .

واللام في ﴿ لك ﴾ لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم : سقياً لك وشكراً لك . وأصله : هيتَك . ويظهر أنها طلبت منه أمراً كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته ، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها .

وفي ﴿ هيت ﴾ لغات . قَرأ نافع ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية . وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية . وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية ، والفتحة والضمة حركتا بناء .

و ﴿ مَعاذ ﴾ مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله . وأصله : أعوذ عَوذاً بالله ، أي أعتصم به مما تحاولين . وسيأتي بيانه عند قوله : ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ ﴾ [ سورة يوسف : 79 ] في هذه السورة .

و ( إنّ ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله } من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام .

وضمير ﴿ إنه ﴾ يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة ، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى خالقي . ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره ، فهو معلوم بدلالة العرف ، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى سيدي ومالكي .

وهذا من الكلام الموجّه توجيهاً بليغاً حكي به كلام يوسف عليه السّلام إمّا لأن يوسف عليه السّلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط ، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه .

وأياً ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها .

وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر .

وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله ، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز .

وأكدَ ذلك بوصفه بجملة ﴿ أحسن مثواي ﴾ ، أي جعل آخرتي حسنى ، إذ أنقذني من الهلاك ، أو أكرم كفالتي . وتقدم آنفاً تفسير المثوى .

وجملة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تعليل ثان للامتناع . والضمير المجعول اسماً ل ( إن ) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبراً عنه لأنها موعظة جامعة . وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم ، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة ، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجاً وأحصنها .

والهم : العزم على الفعل . وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ وهمّوا بما لم ينالوا ﴾ في سورة براءة ( 74 ) . وأكد همّها ب ﴿ قد ﴾ ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزماً محققاً .

وجملة ﴿ ولقد همت به ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً . والمقصود : أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة . والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم .

وجملة ﴿ وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد همت به ﴾ كلها . وليست معطوفة على جملة ﴿ همت ﴾ التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام ، لأنه لما أردفت جملة ﴿ وهمّ بها ﴾ بجملة شرط ﴿ لولا ﴾ المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين ، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢٨٧