من المفيد هنا الإشارة إلى نقطة هامة جداً . إن مجرد قيام مجموعة من الخلايا بإرسال شيفرات أو رسالة كونية ( حسب تعبير فلاناغان ) وقيام مجموعات أخرى من الخلايا بفهم هذه الرسالة وأنها غير صادرة عن عدو بل عن صديق يعد معجزة كبيرة، إذ يجب ألا يغرب عن البال أننا لا نتحدث هنا عن مجموعة من الناس الواعين بل نتحدث عن مجموعة من الخلايا، عن مجموعة متكونة من ذرات وجزيئات وبروتينات لا تملك لا عيناً ولا أذناًَ ولا دماغاً ولا شك أن توقع صدور أي وعي أو شعور من هذه الخلايا سيكون منطقياً غريباً، والحقيقة التي تظهر أمامنا هي أن استقرار الجنين بكل سهولة ويسر في رحم الأم واستمرار وجودها هذا الكيان هناك لا يتحقق إلا برحمة الله خالق هذا الجنين وأمه ونظم الدفاع في جسم الإنسان .
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34) .
النظم الخاصة المهيأة للجنين :
تستمر الخلايا المنغرزة في رحم الأم بالتغذية والنمو في هذا الجو الآمن . ولكن هذا وضع محير إلى درجة كبيرة، ذلك لأن هذا الجنين النامي بسرعة في بطن الأم كان من المفروض ـ في الظروف الاعتيادية ـ أن يجابه خطراً كبيراً، وهذا الخطر هو النظام الدفاعي الموجود في جسم الأم .
يهاجم هذا النظام الدفاعي أي جسم عضوي غريب يدخل إلى الجسم لأنه يعده عدواً ويعد الجنين الذي يحمل معلومات جينية مختلفة عن المعلومات الجنينة لجسم الأم جسماً غريباً، لذلك نرى أن الخلايا الدفاعية في دم الأم ما إن تشعر بوجود هذا الجسم العضوي الغريب حتى تبدأ بالاستنفار والتوجه نحو الرحم، ولو لم تتخذ احتياطات خاصة لقامت خلايا الدفاع هذه بالقضاء على الجنين لا محالة .
قبل أن يتعلق الجنين برحم الأم ويلتصق به تقوم خلايا (الأورمة المغذية trophoblast)التي تتكون قرب رحم الأم بتشكيل مصفاة من نوع خاص بين الأوعية الدموية للأم وبين الجنين، ولا تستطيع الخلايا الدفاعية عبور هذه المصفاة، وبذلك يصان الجنين من بطش الخلايا الدفاعية التي تكون آنذاك في حالة استنفار بسبب إعلان حالة الطوارئ في الجسم بل يقوم بعض هذه الخلايا الدفاعية بمساعدة نقل وتوصيل المواد الغذائية والأوكسجين إلى الجنين .
والآن لنتفحص بنية هذه الخلايا الخاصة .
القابلية الهندسية لخلايا تروفوبلاست :
ذكرنا سابقاً أنه على الرغم من نشوء وتكاثر خلايا ترفوبلاست من خلية البويضة فإنها تنفصل عن خلايا الجنين وتأخذ على عاتقها مهمة تقديم جميع أنواع المساعدات للجنين النامي في رحم الأم وفي اليوم السابع للحمل تبدأ هذه الخلايا بالنمو وبتكوين امتدادات لها في جميع الاتجاهات، وغاية هذا التغير هي المساعدة الخلايا للنفاذ إلى الداخل من خلال جدار الرحم . وفي أثناء هذا الدخول تتواجه مع الشعيرات الدموية للأم فتقوم باختراق سطحها الخارجي، وهكذا يكون نسيج الجنين قد ارتبط بدم الأم في خلال اليوم السابع واليوم الثامن من أيام الحمل .
تقوم بعض خلايا تروفوبلاست بتمزيق جدران الخلايا الدموية الشعرية الموجودة في جدار الرحم منتجة بعض الإنزيمات، وهكذا تقوم بتخفيض ضغط دم الأم عن الجنين وتتصرف خلايا الأورمة المغذية trophoblast وكأنها على علم مسبق بهذا الخطر المحتمل فتتخذ التدابير التي تصون بها الجنين من الموت . ولو لم تقوم هذه الخلايا بهذا التغيير لكان ذلك سبباً في دخول دم الأم إلى الداخل بضغط مرتفع، ولكانت النتيجة المتوقعة لمثل هذه الحالة تطبيق دم الأم ضغطاً عالياً علىالجنين من الخارج مما كان سيؤدي إلى إيقاف الدورة الدموية للجنين .
وبتقدم الأسابيع تقوم بعض هذه الخلايا الخاصة بتكوين سد أمام دم الأم . ولهذا السد الذي يدعى المشيمة بنية خاصة جداً، فعندما ندقق عن قرب نرى أن خلايا ترفوبلاست بتكوينها هذا السد تقوم بوظيفة حاجز أمام دم الأم . وهذه نقطة هامة جداً، لأن الجنين أصبح الآن في اربتاط وثيق مع أنسجة الأم ويتغذى بالمواد الموجودة في دمها، فيجب أن تدخل المواد الغذائية، ولكن يجب ألا تصل معها الخلايا الدفاعية الموجودة في دم الأم . لذا يقوم هذا السد ( أي المشيمة ) بمنع خلايا الدفاع الموجودة في دم الأم من الوصول إلى الجنين، ولكن كيف تتم تغذية الجنين الذي حيل بينه وبين وصول دم الأم إليه ؟
جواب هذا السؤال يرينا كمال التصميم الموجود في الخلايا، فالفجوات الدقيقة الموجودة بين خلايا هذا السد لها الحجم الكافي لمرور المواد الغذائية الموجودة في بلازما دم الأم إلى الجنين الذي هو في حاجة ماسة إلى هذه المواد . فالأوكسجين والمواد الغذائية والمعادن تجتاز هذه الفجوات وتصل إلى الجنين، ولكن خلايا الدفاع لا تستطيع المرور من خلال هذه الفجوات لأنها أكبر منها حجماً .