وجمع الزوج أزواج وقوله تعالى : (( هم وأزواجهم )) [ يس/56 ] وقوله تعالى : (( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم )) [ الصافات/22 ] ، أي أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم ، (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم )) [ الحجر/88 ] ، أي أشباهاً وأقراناً . وقوله تعالى : (( سبحان الذي خلق الأزواج )) [ يس/36] ، وقوله : (( ومن كل شيىء خلقنا زوجين )) [ الذاريات/49 ] ، فتنبيه أن الأشياء كلها مركبه من جوهر وعرض ، ومادة وصورة ، وأن لا شيىء يتعرى من تركيب يقتضي كونه مصنوعاً ، وأنه لا بد له من صانع تنبيهاً أنه سبحانه وتعالى هو الفرد ، وقوله تعالى : (( خلقنا زوجين )) فبين أن كل ما في العالم زوج ، من حيث إن له ضداً ، أو مثلاً ، أو تركيباً ما ، بل لا ينفك بوجه من تركيب ، وإنما ذكر ههنا زوجين تنبيهاً أن الشيىء وإن لم يكن له ضد ، ولا مثل فإنه لا ينفك من تركيب جوهر وعرض ، وذلك زوجان ، وقوله تعالى : (( أزواجاً من نبات شتى )) [طه/53 ] أي أنواعاً متشابهه ، كذلك قوله تعالى : (( من كل زوج كريم )) [ لقمان/10] . . . . .
وجاء في تفسير الامام الألوسي :
﴿وَمن كُلِّ شَيْء﴾ أي من كل جنس من الحيوان ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْن﴾ نوعين ذكراً وأنثى ـ قاله ابن زيد. وغيره . وانظر أيضاً تفسير العلامة السعدي .
وقيل ان الكليه في قوله جل جلاله : ﴿وَمن كُلِّ شَيْء﴾ هي كليه نسبية . فعبر عن الكثرة بالكليه كقوله سبحانه تعالى في عذاب قوم عاد : (( تدمر كل شيىء بأمر ربها )) أي تهلك من نفوس قوم عاد وأموالهم الجم الكثير . ومعلوم أنها لم تدمر السماء والارض ولا مساكنهم كما قال تعالى : (( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم )) . وكقوله تعالى عن ملكة سبأ : (( وأوتيت من كل شيىء )) [ النمل/23] ومعلوم انها لم تؤت ملك السموات والأرض . و يقول القائل : قتلت كل نفس ، وأفحمت كل خصم ، أو يقول القائل : أنا اصوم كل شعبان فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه . و في كليات أبي البقاء, قال : قد يكون كل للتكثير والمبالغة دون الإحاطة وكمال التعميم , كقول القرآن : وجاءهم الموج من كل مكان , ويُقال : فلان يقصد كل شيء أو يعلم كل شيء، فالمراد به البعض .
ومن الناحية العلمية يقول الدكتور زغلول النجار تحت عنوان الزوجية في المادة وفي مركباتها ما يلي :
تتضح الزوجية في مركبات المادة في شقيها الموجب
Cation
والسالب
Anion
كما تتضح في تركيب الذرة بنواتها التي تحمل شحنة موجبة واليكتروناتها التي تدور حول النواة حاملة شحنة سالبة مكافئة .
وقد ثبت أن للمادة قرابة الثلاثين نوعا من أنواع اللبنات الأولية , وكل واحدة منها لها نقيضها , كما أن الجسيمات الأولية للمادة لها لكل جسيم نقيضه , وأن المادة ككل لها نقيض المادة , وإذا التقت النقائض فإن كل واحد منها يفني نظيره , لأنهما يتخليان عن طبيعتهما المادية , ويتحولان الي طاقة تعلن عن فناء المادة , ومن هنا كان الوجود والعدم , وكانت إمكانية الايجاد من العدم أي الخلق علي غير مثال سابق , وإمكانية الافناء إلي العدم , ولا يقدر علي ذلك أحد غير الإله الخالق سبحانه وتعالي , وكذلك الطاقة فإن لكل صورة من صورها ماهو ضدها , فالكهرباء فيها الموجب والسالب , والمغناطيسية فيها العادي والمقلوب المعكوس , حتي الضوء له زوجية واضحة لأنه يتحرك أحيانا علي هيئة أمواج , وأحيانا أخري علي هيئة جسيمات .
كذلك ثبت أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة ولجوهر واحد يشير إلي وحدانية الخالق سبحانه وتعالي وخلق اللبنات الأولية للمادة علي هيئة أزواج , وتحويلها إلي طاقة علي هيئة زوجية أيضا , وإمكانية رد الطاقة إلي حالة مادية تأكيد علي حقيقة بدء الخلق من العدم وعلي إمكانية إفنائه إلي العدم .
ونحن نري الزوجية في كل صورة من صور الخلق : من أدق دقائقه إلي أكبر وحداته , حتي يبقي الخالق سبحانه وتعالي متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه , ونري كذلك وحدة البناء في الخلق تجسيدا لوحدانية الخالق سبحانه وتعالي .
فلكل جسيم في الذرة جسيم نقيض .. وهذه الجسيمات ونقائضها تكون المادة والمادة النقيضة , وفي النقائض توجد كل الصفات نقائض معكوسة أيضا من الشحنات الكهربية إلي المجالات المغناطيسية الي اتجاهات الدوران , وعلي ذلك فلا يمكن لمثل تلك النقائض أن تجتمع في مكان واحد وإلا أفني بعضها بعضا .
فسبحان الذي خلق الخلق في زوجية واضحة تشهد له بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه , وسبحانه إذ خلق المادة ونقائضها من الطاقة ونقائضها , وسبحانه إذ خلق تلك النقائض في نفس الوقت وبنفس القدر حتي يثبت لنا الخلق من العدم , وإمكانية الافناء إلي العدم !!.