لفظ "التّرَآئِبِ" اسم صفة لا اسم ذات يدل بأصل اشتقاقه على التماثل والتناظر فيصدق على الأضلاع التي تكون عظام الصدر, وقد يصرفه السياق إلى بعض هذا الإطلاق كما نقلت معاجم اللغة, والدلالات المعجمية مقيدة بقرائن السياق التي تحددها وتتخير منها الأنسب للمقام, ومن اشتقاق اللفظ (أتراب) أي لِدَّات يعني متماثلات, وقد يجعل السياق التماثل في الحسن والجمال والبهاء وفيض الأنوثة ونضارة الشباب كما في تصوير حال زوجات الجنة في قوله تعالى: "وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ أَتْرَابٌ" [ص:52], وقوله تعالى: "إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً. فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً" [الواقعة:35-37], وقوله تعالى: "وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً" [النبأ:33], قال الجوهري: "والتَرِب بالكسر اللدَّة وجمعه أتراب, والتريبة واحدة الترائب وهي عظام الصدر" (16)، ولفظ "الصّلْبِ" بالمثل اسم صفة لا اسم ذات يدل بأصل اشتقاقه على قائم أمتن كتلةً وأمكن يُصلب عليه الشيء ويُشد محمولاً عليه فيصدق على العمود الفقري الذي يحمل بدن الإنسان وعلى المنطقة الظهرية حيث ينشأ, وفي قوله تعالى: "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" ؛ يتعلق السياق ببداية انفصال وتميز عضو إنتاج الذرية وتكونه خلال فترة تكون بقية أعضاء الجسم, والمقابلة بين لفظي (الصلب والترائب) تميز دلالة كل منهما لتتعين منطقة تقع بين موضعي نشأة العمود الفقري والأضلاع حيث تتميز الغدة التناسلية بالفعل وتمتد في الجهة الظهرية بجوار الكلية في كل جانب, وكأن القرآن يصف قطاع عرضي تحت المجهر تتميز فيه مناطق الأعضاء الثلاث بوضوح, ولفظي "الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" تعبيران وصفيان والتعريف فيهما يبين أن مسمى كل منهما عضو بدني مألوف أحدهما مفرد والآخر جمع, وفعل (الخروج) الذي يدال على موضع الانفصال على طريق الهجرة في غاية الدقة حيث لا يدل بالضرورة على موضع النشأة لأن الغدة التناسلية تنشأ في الكتلة الظهرية أو الصلب قبل أن تنفصل وتتمايز مع تمايز بقية أعضاء الجسم, والعجيب أن القرآن ينسب بداية تكوين الذرية إلى الظهر أو الصلب بالفعل حيث تجتمع الأصول الخلوية لتكون الغدة التناسلية قبل انفصالها وتمايزها, وذلك عند بيان فطرية الإيمان في قوله تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ" [الأعراف: 172]؛ وهذا التصوير يبين تحقق الإيمان لو استخدم الإنسان أدوات العلم والفكر التي تميز بها عن الحيوان, وعند بيان محرمات الزواج مع التمييز بين الأبناء حقيقةً والأبناء بالتبني في قوله تعالى: "وَحَلَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَلابِكُمْ" [النساء:23], وللوجدان أن يقشعر من تلك الدقة المتناهية التي ميزت بين موضع تكون أعضاء إنتاج الذرية في الظهور وموضع خروجها على طريق هجرتها!.
(ثالثاً) هل الوصف بالإخراج والإرجاع يخص الإنسان أم الماء؟: