ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها ، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية ، لمولاه زيد بن حارثة . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة .
وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة ، جعل عمه حمزة ومولاه زيداً أخوين . وجعل خالد ابن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين!
وبعث زيداً أميراً في غزوة مؤته ، وجعله الأمير الأول ، يليه جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد الله بن رواحه الأنصاري ، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار ، فيهم خالد بن الوليد .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يشيعهم . . وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم .
وكان آخر عمل من أعماله صلى الله عليه وسلم أن أمَّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم ، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه ، وصاحباه ، والخليفتان بعده بإجمال المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه - صلى الله عليه وسلم -ومن أسبق قريش إلى الإسلام .
وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما- : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعثاً أمر عليهم أسامة بن زيد رضي الله عنهما فطعن بعض الناس في إمارته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
« إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ . وإن هذا لمن أحب الناس إلي » .
ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي ، وتحدثوا عن الفارسية والعربية ، بحكم إيحاءات القومية الضيقة ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال : « سلمان منا أهل البيت » فتجاوز به بقيم السماء وميزانها كل أفاق النسب الذي يستعزون به ، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها . . وجعلة من أهل البيت رأساً!
ولما وقع بين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح رضي الله عنما ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة « يا بن السوداء » . . غضب لها رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً؛ وألقاها في وجهه أبي ذر عنيفة مخيفة : « يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل » ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة . . إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء . وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض!
ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس؛ فانفعل لها أشد الانفعال ، ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال . تكفيراً عن قولته الكبيرة!
وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء . . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك . فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة » فقال : ما عملت في الإسلام عملاً أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه : « ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب » . وقال عنه : « ملئ عمار رضي الله عنه إيماناً إلى مشاشه » . وعن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما واهتدوا بهدي عمار . وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه » .
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله . . عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة دخولهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزومهم له « .
وجليبيب وهو رجل من الموالي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار . فلما تأبى أبواها قالت هي : أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه . فرضيا وزوجاها .