إن القرآن الذي يستدلون منه ذكر حقيقة هذا الأمر وهو أن المسيح عليه السلام لم يفعل تلك المعجزات من قوته الذاتية , بل الفاعل والمُسبب لها هو الله العلي القدير , قال تعالى : ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾آل عمران49 . وقال تعالى : ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾المائدة110 .
وكما ذكرنا هذا أمر لم يخص الله به المسيح عليه السلام , بل أجراه الله على يد جدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا . فلماذا المغالطة والزعم الباطل أن المسيح فعل هذه المعجزات بقدرته وسلطانه ؟!
بل إن ما عندكم من نصوص كتابية تُثبت على لسان المسيح أنه لم يكن له من الأمر حيلة إلا ما أعطاه الله إياه لتثبيت ضعفاء الإيمان ولهداية من لا إيمان له , وفي هذا يقول بطرس : "يسوع الناصري رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده " (أعمال 2 / 22) . وهذا ما أكدته النصوص الإنجيلية ، ونقلته عن المسيح ، فعندما أتى المسيح بما أتى به من المعجزات كان يؤكد أنها من الله عز وجل ، ولم ينسبها إلى نفسه فقال: "أنا بروح الله أخرج الشياطين" (متَّى12/28).
وقال:" كنت بإصبع الله أخرج الشياطين " (لوقا 11/20).
وعندما جاء لإحياء لعازر : "رفع يسوع عينيه إلى فوق، وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي , ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني " (يوحنا 11/41-42).
ولما أراد إطعام الجمع من الأرغفة الخمس أيضاً : "رفع نظره نحو السماء، وبارك وكسر" (متَّى 14/19).
ولما جيء له بالأصم : " رفع نظره نحو السماء وأنَّ، وقال: افثأ.أي انفتح، وللوقت انفتحت أذناه، وانحل رباط لسانه، وتكلم مستقيماً" (مرقس 7/34-35).
وقال: " دُفع إلي (أي من الله) كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متَّى 28/18).
وأيضاً قال: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً " (يوحنا 5/30).
ويقول :" الأعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي" (يوحنا 10/25).
وأما الذين رأوا معجزات المسيح فقد عرفوا أن ما يصنعه إنما هو من المعجزات التي يعطيها الله لأنبيائه، ولم يفهم أحد منهم ألوهية صاحب هذه المعجزات، فعندما شفي الصبي من الروح النجس "بهت الجميع من عظمة الله" (لوقا 9/34).
ولما شفى المرأة المقوسة الظهر : " استقامت (أي المرأة) ومجدت الله" (لوقا 13/13).
ولما أقام المفلوج ورأت الجموع ذلك : " تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطاناً مثل هذا " (متَّى 9/8).
وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه : " فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع" (يوحنا 9/ 10-11) .
ولنقرأ قصة إحياء ابن أرملة نائين من الموت : "11 وذَهَبَ بَعدَئِذً إِلى مَدينَةٍ يُقالُ لَها نائين، وتَلاميذُه يَسيرونَ معَه، وجَمعٌ كَثير. 12فلَمَّا اقَتَرَبَ مٍن بابِ المَدينة، إِذا مَيْتٌ مَحْمول، وهو ابنٌ وَحيدٌ لأُمِّه وهي أَرمَلَة. وكانَ يَصحَبُها جَمعٌ كثيرٌ مِنَ المَدينة. 13فلَمَّا رآها الرَّبّ أَخذَتُه الشَّفَقَةُ علَيها، فقالَ لَها: ((لا تَبكي! )) 14ثُمَّ دَنا مِنَ النَّعْش، فلَمَسَه فوقَفَ حامِلوه. فقالَ: ((يا فتى، أقولُ لَكَ: قُمْ! )) 15فجَلَسَ المَيتُ وأَخَذَ يَتَكَلَّم، فسَلَّمَه إِلى أُمِّه. 16فاستَولى الخَوفُ علَيهم جَميعاً فمَجدَّوا الله قائلين:((قامَ فينا نَبِيٌّ عَظيم، وافتَقَدَ اللهُ شَعبَه! )) 17وانَتَشَرَ هذا الكَلامُ في شَأنِه في اليَهودِيَّةِ كُلِّها وفي جَميعِ النَّواحي المُجاوِرَة. " ( لوقا 7 : 11 – 17 ) .
ولما أرادت مرثا أخت لعازر أن يحيي أخيها قالت: " أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (يوحنا 11/22).