وأما قولهم : ( وكلمة (روح منه) فسَّرها الإمام الرازي بقوله : " أنه روح لله لأنه واهب الحياة للعالم في أديانهم" ) , فهذا تحريف وطمس للحقائق , فليس في استدلالهم ما يفيد أن المسيح روح الله التي في كيانه – تعالى الله – بل على العكس , حيث أن قول الإمام يفيد أن المسيح عليه السلام كان يرشد الناس إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم بصفته رسول من الله , ولقد بين الإمام أن هذا التعبير قيل في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال تعالى : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾الشورى52 , ثم إنهم نقلوا وجهًا واحدًا من وجوه عدة فصلها الإمام الرازي وبين فيها كفرهم وضلالهم , فلقد قال رحمه الله : ( واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية ، والتقدير: يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح ، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح ، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم ، فلهذا قال للنصارى : ﴿لا تغلوا في دينكم ﴾ , وقوله : ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ يعني لا تصفوا الله بالحلول والإتحاد في بدن الإنسان أو روحه ، ونزهوه عن هذه الأحوال . ولما منهم عن طريق الغلو أرشدهم إلى طريق الحق ، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده . وأما وقوله : ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ فاعلم أنا فسرنا ﴿الكلمة﴾ في قوله تعالى : ﴿إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح﴾ [آل عمران: 45] والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال : ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: 59] . وأما قوله : ﴿وروح منه﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح ، والمراد من قوله ﴿منه﴾ التشريف والتفضيل كما يقال : هذه نعمة من الله ، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. الثاني : أنه كان سببًا لحياة الخلق في أديانهم ، ومن كان كذلك وصف بأنه روح . قال تعالى في صفة القرآن : ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ [الشورى: 52] الثالث: روح منه أي رحمة منه ، قيل في تفسير قوله تعالى : ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: 22] أي برحمة منه ، وقال عليه الصلاة والسلام : فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحا منه. الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب ، فإن الروح والريح متقاربان ، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله ﴿منه﴾ يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه ، وهذا كقوله : ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ . الخامس: قوله ﴿روح﴾ أدخل التنكير في لفظ ﴿روح﴾ وذلك يفيد التعظيم ، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية ، وقوله ﴿منه﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم. ثم قال تعالى :﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلها ) ( مفاتيح الغيب 10/46 ) .
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٠٧٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٠٧٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي