أما أن الشريعة تشتمل على نصوص منزَّلة من عند الله تعالى، وعلى تفسير الرجال لتلك النصوص، واجتهادهم فيما لا نَصَّ فيه فذلك حَقٌّ لا مراء فيه. أما وصف فقه الرجال بالتغير وعدم الثبات فهو الموضع الذي يحتاج إلى فحص وتأمل. ذلك أن كلمة التغير كلمة تحتمل معاني متعددة، فمن الخطأ البَيِّن أن يقصد منها اطراح فقه العصور الماضية، والبدء في تدوين فقه عصري جديد. «وإذا قرر الجيل الحاضر أن يعرض عن كل ما أنجزته الأجيال الماضية من عمل وجهد، وأن يؤسس له بناءً جديدًا، على قواعد جديدة، فإن للأجيال الآتية بعده أن تتخذ قرارًا سفيها مثل هذا. ولذا فإن شعبًا لم يفارقه العقل لا يبيد الجهود والأعمال التي تمت على أيدي أسلافه، وإنما يتقدم إلى الأمام مضيفًا إلى الأعمال السابقة أعمالا جديدة لم يُتَحْ للأولين أن يقوموا بها، وهكذا لا يزال يتقدم بخطي حثيثة في ميدان الكمال والارتقاء». (131)
إن الفقهاء الأوائل بَشَرٌ ما في ذلك شك، لا يعني ذلك أن ما قالوه فهو خطأ يجب اطراحه. أو لَسْنَا أيضا بشرًا، فما الذي يجعل لنا فضلا عليهم؟ إن فقه الأولين فيه الخطأ والصواب، وكل ذي عقل يرى أن ما كان صوابًا قبلناه، وما كان خطأ طرحناه.
وإذا كان تقسيم الشريعة إلى شريعة الله وشريعة الفقهاء له إيحاءات خاطئة، فالأفضل منه أن يجعل التقسيم أكثر تفصيلا، حتى يكون أكثر بيانًا ووضوحًا. وقد قسم الإمام ابن تيمية الشريعة إلى ثلاثة أقسام (132): شريعة منزلة وهي القرآن والسنة، وشريعة اجتهادية وهي ما توصل إليها عن طريق الاجتهاد، وشريعة محرمة وهي التي يظن أنها من الشرع وهي محض انحرافات. فالشريعة الاجتهادية تتعدد الآراء فيها في المسألة الواحدة، ونقبل ونرفض منها بحسب الأدلة، أما الانحرافات والتحريفات فمرفوضة كلها.
( المرجع : مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 242-259).
(1) منهم على سبيل المثال : فهمي هويدي. محمد فتحي عثمان، ومحمد عمارة وغيرهم كثر.
(2) مثل الدكتور حسن الترابي وراشد الغنوشى، وهؤلاء جميعاً حادوا عن منهج السلف الصالحين وعن منهج الحركات نفسها.
(3) مجلة الآداب – بيروت – عدد مايو 1970 ص101- انظر تجديد مفهوم الدين ص267.
(4) مجلة المسلمون عدد (6) السنة الأولى ص553- المصدر السابق.
(5) ص157-ص164.
(6) انظر ص137 والصفحات التي تليها من المصدر السابق.
(7) انظر إلى « مدينة بحتة».
(8) قلت : لكي لا يوهن دينه أمام القسس.
(9) قل لي بربك ما الذي يجعله متعذراً سوى ضعف الإيمان والانهزام النفسي والخوف من الكفار؟!
(10) ) سبحان الله ، والله إن تحكم اليهود والنصارى المرابين اليوم لا يدانيه تحكم الجاهلين الأول، وجشع الجاهليين الجدد لا يمكن أن يقاس بما كان عليه أسلافهم، وأغلب المرابين في الماضي والحاضر هم اليهود... ولماذا هذه المجاملة؟ ألترضى عنكم اليهود والنصارى؟ فإن ربنا يقول : (وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) اللهم إلا إذا تيقنوا أنكم سائرون على الدرب ، ومن سار على الدرب وصل ، ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.
(11) قال محققاً جامع العلوم والحكم : (حديث حسن بطرقه وشواهده. رواه مالك في الموطأ 2/745 من طريق عمرو بن يحيي المازني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا سند صحيح إلا أنه مرسل . ورواه موصولاً من حديث أبي سعيد الخدري والدارقطني 3/77و4/228 والبيهقي 6/69 والحاكم ط2/57-58) هامش ص207/ج2.
(12) المصدر السابق ، ط2/212 والصفحات التالية لها.
(13) انظر تجديد مفهوم الدين ص260.
(14) النور 49-50.
(15) ج3/ص4 والصفحات التي تليها.
(16) الخروج بالسيف على الحكام المعلنين لشرع الله والمحكمين له لا يجوز إلا إذا صدر منهم كفر بواح، وحتى في هذه الحالة لا يجوز الخروج إلا إذا ترجحت المصلحة على المفسدة... وكذلك الأمر بالنسبة لأولئك الذين لا يحكمون شرع الله بل ويعادونه، لا يجوز الخروج عليهم بالسيف إلا إذا ترجحت المصلحة على المفسدة كي لا يحدث ما هو أكبر من ترك الحكم بشرع الله مع أنه كبير، والعلم عند من لا تخفى عليه خافية، ولا تنس أخي المسلم ما حدث نتيجة لتأول الأخيار من هذه الأمة – وهم متأولون مأجورون- في القرن الأول من أضرار بليغة وفتن عظيمة.
(17) لقد كتبت التعليق السابق قبل أن أصل إلى كلام ابن القيم هذا، فإذا كان المنهج واحداً كان التفكير واحداً وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة لا كما يقول أدعياء التجديد.
(18) المكاء: الصفير بالفم، أو التشبيك بالأصابع والنفخ فيها- هامش ص5 المصدر السابق.
(19) التصدية: التصفيق باليد- المصدر السابق.