أما النوع الثالث فهو ما يعرف عندهم بالتقية لمصالح آخر ، وقد أورد الإمامية روايات عن أئمتهم تعضد ما ذهبوا إليه ، منها ما روي عن أبي عبد الله جعفر أنه قال : (( عليكم بالتقية ، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره )) (137) .
رابعاً : هناك بعض علماء الإمامية من يجعل لها قسماً أخراً ، وهو ما يقابل الإشاعة وإذاعة السر ويعبر عنها بأنها تعني : (( وجوب كتمان عقيدة الحق أو إظهار غيره في الموارد التي تكون من الأسرار التي يجب كتمانها عن غير أهلها )) (138) ، والروايات في كتب الإمامية في هذا الباب كثيرة ، منها ما روي عن أبي عبد الله أنه قال : (( ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتل عمد )) (139) ، وكذلك ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أنه تلا هذه الآية : (( ] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ [ [ آل عمران : 112 ] قال : والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية )) (140) .
أما من حيث الشروط ، فلا وجود لها في تحديد التقية عند الإمامية ، وإنما هي تترك لاجتهاد الفرد وتقديره ، وربما تجاوزت الحدود الشرعية في معظم الأحيان ؛ لأنها وفق الروايات التالية تتعدى فهم أهل السنة والجماعة للتقية والإكراه على حد سواء ، وهذه الأمور تتمثل بالآتي :
1. إن التقية جائزة في كل أمر من أمور الدين بل هي الدين عينه ، كما في روايات الشيعة الإمامية المنسوبة إلى الأئمة ، وقد تقدم بعضها ، منها ما رواه صاحب الشرائع عن أبي عبد الله قال : (( إن التقية دين الله عز وجل ، قلت : من دين الله عز وجل ؟ قال : أي والله من دين الله )) . وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنه قال : (( لا إيمان لمن لا تقية له )) .
2. إن التقية هي من أعظم الفرائض ، وهي بمثابة الرأس من الجسد ، وأنها من أحب الأعمال إلى الله تعالى من ذلك ما رواه حبيب بن بشير قال : (( قال أبو عبد الله u : سمعت أبي يقول : لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب من التقية )) (141) .
3. إن أكثر الشيعة كانوا يتركون العشرة مع غيرهم من المسلمين لأنهم إن أظهروا عقيدتهم ربما وقعوا في الخطر العظيم وجلب البغضاء والعداوة ، وإن أخفوه كانوا مقصرين في أداء ما عليهم من الحق مرتكبين للأكاذيب كما يقول الشيرازي(142) .
4. إن التقية تسد الأبواب أمام المخالفين فلا يستطيعون الوصول إلى حقيقة الدين ومذهب الإمامية ، ففي التفسير المنسوب إلى العسكري في قوله تعالى : ] فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [ [ الكهف : 97 ] قال : (( إن هذا هو التقية ، فإنها الحصن الحصين بينك وبين أعداء الله إذا عملت بها لم يقدروا على حيلة )) (143) .
5. لا ينحصر دور التقية عند الإمامية في إخفاء العقيدة وإظهار خلافها ، وإنما أيضاً من أهم أغراضها جلب المحبة ودفع عوامل الشقاق والبغضاء عن طريق إخفاء عقيدتهم التي ربما أثارت النفور الاستهجان في قلوب المسلمين ، وبهذا فسّر الإمامية الروايات الواردة في كتبهم ، مثل ما روي عن الصادق أنه قال : (( من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان )) (144) ، وهذه الرواية فيها تناقض عجيب ؛ لأن روايات الأئمة إذا حبست فكيف يعلم الناس حقيقة مذهب أهل البيت الذي يدعي الإمامية اتباعه ؟.
لكننا نتساءل هنا : أين شروط الإكراه وأركانه ؟ بل أين مقومات الرخصة في كل ما تقدم ؟. والإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما ليس بالأمر الصعب ، فقد تبين أن أحكام الإكراه لا تبنى على الظن أو الشك ، بل يجب أن يغلب على المكرَه بأن التهديد واقع لا محالة ، قال الكاساني في تقرير هذا المبدأ : (( أن يقع في غالب رأي المكرَه وأكثر ظنه لأنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما وعد به ؛ لأن غالب الرأي حجة ... )) إلى أن قال : (( فإن تحقق عنده أن المكرِه لا يحقق ما أوعده لا يثبت الحكم شرعاً )) (145) ، وقال في مكان آخر ( رحمه الله ) : (( وإن كان الإكراه ناقصاً لا يحل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضاً ؛ لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ، فكانت الحرمة بحكمها قائمة )) (146) .