(يا أيها الذين آمنوا) ألا تعملون بمقتضى الإيمان ، ودواعي اليقين ، من المبادرة لأمر الله ، والمسارعة إلى رضاه ، وجهاد أعدائه لدينكم ، فـ ( مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ) أي : تكاسلتم ، وملتم إلى الأرض والدعة والكون فيها .
( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) أي : ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا ، وسعي لها ، ولم يبال بالآخرة فأنه ما آمن بها .
( فما متاع الحياة الدنيا ) التي مالت بكم ، وقدمتموها على الآخرة ( إلا قليل ) أفليس قد جعل الله لكم عقولاً ، تزنون بها الأمور وأيها أحق بالإيثار ؟
أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة .
فما مقدار عمر الإنسان القصير جداً من الدنيا ، حتى يجعله الغاية ، التي لا غاية وراءها فيجعل سعيه ، وكده وهمه وإرادته لا يتعدى الحياة الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار المشحونة بالأخطار .
فبأي رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة ، الجامعة لكل نعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأنتم فيها خالدون . فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه ، ولا من جزل رأيه ، ولا من عُدَّ من أولى الألباب ، ثم توعدهم على عدم النفير فقال :
(إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً )
في الدنيا والآخرة ، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب ، لما فيه من المضار الشديدة فإن المتخلف قد عصى الله تعالى ، وارتكب لنهيه ، ولم يساعد على نصر دين الله ، ولا ذَبَّ عن كتاب الله وشرعه ، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم ، الذي يريد أن يستأصلهم ، ويمحق دينهم ، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان ، بل ربما فَثّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الله ، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد ، فقال : (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً ) فإنه تعالى متكفل بنصرة دينه وإعلاء كلمته ، فسواء امتثلتم لأمر الله أو ألقيتموه وراءكم ظهرياً .
( والله على كل شيء قدير ) لا يعجزه شيء أراده ، ولا يغالبه أحد اهـ .
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً . وأن يرفع عنهم الذل والهوان .
والله تعالى أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
=============
رد الأموال المسروقة إلى أصحابها الكفار
سؤال:
بدأت الصلاة مؤخرًا وأسعى إلى التوبة من أعمالي السيئة التي اقترفتها في الماضي . وأعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إلى أصحابها المسلمين . فماذا عن غير المسلمين ؟ قالوا لي إن مثلهم رفض الإسلام وبالتالي لا كرامة لهم . فإذا كنت قد سرقت من شخص غير مسلم ، فهل يجب رد الحق إليه علمًا بأني قد أتعرض بسبب هذا إلى مضايقات جنائية من قِبل غير المسلمين ؟ وماذا ينبغي أن أفعل مع هذه الأشياء التي اغتصبتها من غير المسلمين ؟.
الجواب:
الحمد لله
أولاً : نهنئك بمحافظتك على الصلاة وسعيك إلى التوبة ، ونبشرك بأن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه ويغفر ذنبه ، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .
ثانياً : لا شك أن السرقة كبيرة من كبائر الذنوب وقد رتب الله عليها الحد في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة .
قال الله تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ ) المائدة/38 . وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ) . رواه البخاري (6783) ومسلم (1687) .
والسرقة حرام سواء كان المسروق منه مسلماً أم كافراً معصوم الدم والمال ، أما الكافر المحارب للمسلمين فيجوز أخذ ماله ، لأن ذلك في حالة الحرب يعتبر غنيمة ولا يعتبر سرقة .
ثالثاً : أما أخذ أموال الكفار على سبيل الغدر والخيانة فهو محرم ، لأن الغدر محرم في الإسلام سواء مع المسلم أم مع الكافر .
روى البخاري (2583) عن المغيرة بن شعبة أنه كان قد صحب قوماً في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما الإسلام أقبلُ ، وأما المال فلستُ منه في شيء " ، ورواية أبي داود (2765) : " أما الإسلام فقد قبلنا ، وأما المال فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه ) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
قال الحافظ ابن حجر : " قوله ( وأما المال فلستُ منه في شيءٍ ) أي : لا أتعرض له لكونه أخذه غدراً ، ويستفاد منه : أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً ؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة ، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلِماً كان أو كافراً ، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة ، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم . فتح الباري ( 5 / 341 ) .