ولم يجعل العلماء هذه التقسيمات هي القول الفيصل ، وإنما وضعوا شروطاً للإكراه كأساس في وقوعه وتتمثل بالآتي(129) :
1. قدرة المكرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم .
2. عجز المكرَه عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقامة .
3. ظنه أنه إن امتنع عما أكره عليه أوقع به المتوعد .
4. كون المتوعد مما يحرم تعاطيه على المكرِه ، فلو قال ولي القصاص للجاني : طلقها وإلا اقتصصت منك ، لم يكن إكراهاً.
5. أن يكون عاجلاً ، فلو قال : طلقها وإلا قتلتك غداً ، فليس بإكراه .
6. أن يكون معيناً ، فلو قال : اقُتلْ زيداً أو عمراً ، فليس بإكراه .
7. أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به ، فلو قال : اقُتلْ نفسك وإلا قتلتك ، فليس بإكراه .
8. يشترط في الإكراه على كلمة الكفر طمأنينة القلب بالإيمان ، فلو نطق معتقداً بها كفر.
ووفق هذا الاعتبار فإن الإكراه مقيد بهذه الأمور ، يزول بزوالها ولا يبقى مرافقاً لفعل المكلف في الظروف الاعتيادية والطبيعية ، على عكس ما يعتقده الإمامية بالتقية ، بكونها هي أصل العمل والمحور الذي تدور عليه أفعال المكلف ؛ لأن الإكراه بنظرهم يمكن اللجوء إليه بمجرد مظنة الضرر ، أي قبل وقوع التهديد لأن أصل العمل عند غلبة ( المخالفين ) هو التقية ، وهذا الكلام مردود لاعتبارات عديدة أهمها أن أياً من أئمتهم لم يحدد حدوداً يمكن أن تقف عندها التقية ، وإنما شروط التقية عندهم مفتوحة .
أنواع التقية وشروطها عند الإمامية :
عند مقارنة ما قدمناه بما كتبه علماء الشيعة الإمامية في موضوع التقية في مؤلفاتهم ، نجدها تختلف اختلافاً عظيماً من حيث المغزى والمضمون ، بل أنها تختلف حتى في أنواعها وأركانها ، أما من حيث الشروط ، فنحن لا نجد أثراً لها في كتبهم ، فالأمر عندهم مفتوح ، و فقد روى الكليني عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله أنه قال : (( كلما تقارب هذا الأمر كان أشد للتقية )) (130) ، فعلى وجه العموم من الصعب الإحاطة بمثل هذه الشروط ، ولكن يمكن أن نبين أن التقية تنقسم عند الإمامية إلى أكثر من قسم بالنظر إلى غرضها وغايتها:
أولاً : التقية من حيث حكمها الوضعي وهل أن العمل المأتي به تقية يوجب الإجزاء أم لا ؟ ، وفيه قرر فقهاء الإمامية بأن العبادات فيها صحيحة إلا في ثلاثة أشياء في شرب الخمر والمسح على الخفين والمتعة ، فلا تقية فيه ! ، ولهم أكثر من رواية تفيد ذلك في كتبهم ، منها ما رواه زرارة عن أبي عبد الله أنه قال : (( ثلاثة لا اتقي فيهن أحداً شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج )) (131) ، وبناء على هذه الرواية وغيرها ، جعل الإمامية للتقية ملاذاً واسعاً للعمل في غير ما ورد في هذه الرواية ، بحيث عدوا كل الأعمال مجزأة في حال التقية ، وإن اختلفوا في مسألة الإفطار في رمضان ، ولكن رجح محمد النجفي وغيره من فقهاء الإمامية الإجزاء (132) .
ثانياً : التقية من حيث حكمها التكليفي ، وتنقسم حسب الأعمال ، فمنها ما هو واجب ومنها ما هو حرام ومنها ما هو راجح ومنها ما هو مرجوح ، ومنها ما يتساوى طرفاه جوازاً (133) ، ورغم أن هذه التقسيمات التي تبدو لأول وهلة بأنها تختلف عن الأخرى ، لكنها بواقع الحال قريبة منها ، فمثلاً التقية المحرمة يعنون بها ما تقدم من حرمة التقية في المسح على الخفين ومتعة الحج وشرب الخمر ، والروايات في كتب القوم تفيد هذا المعنى ، بل تحث عليه ،وتعده من أفضل القربات فقد روى ابن بابويه عن أبي عبد الله أنه قال : (( من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة العليا من القرآن )) (134) ، وفي هذه الرواية إشارة إلى أن التقية مرغب فيها عند الإمامية على كل حال ، ولذا أدخل علمائهم معظم الروايات الواردة في هذا الباب تحت قسم المستحب(135) .
ثالثاً : هناك تقسيم آخر للتقية عند الإمامية ، فهي عندهم يمكن أن تقسم إلى : التقية الخوفية والتقية التحبيبة ، والتقية لمصالح آخر ، ومثّل الإمامية للأولى بما أوردناه في المبحث الثاني من كونها من دين الله عز وجل ، ولا دين لمن لا تقية له ، أما التقية التحبيبي : فيعنون بها القيام بالأعمال التي تقربهم إلى أهل السنة والجماعة من أجل التحبب إليهم لاستجلاب المنافع ودفع المضار ، ومثّل لها بما رواه ابن بابويه عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله أنه قال : (( ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضأ إلا كتب الله له بها خمساً وعشرين درجة ، فارغبوا في ذلك )) (136) ، وفي هذه الرواية تأكيد على أن صلاة الإمامي مع أهل السنة تقية مرغب فيهم عندهم ، بل هي من أقسام المستحب والمندوب ، وهذا الأمر له دلالة خطيرة في كونهم لا يعتدون بتلك الأعمال ، بل ينبغي لمن أراد الصلاة مع أهل السنة أن يصلي قبلها أو بعدها .