نحن إذاً بحاجةٍ اليوم إلى الثبات كلٌ في موقعه؛ فعلى المجاهد بسلاحه أن يرابط على ثغره ولا يشغله الشوق إلى زوجٍ وولد، وعلى القائد الميداني أن يرابط في ميدانه يوجه ويسدد لا تشغله مناصب تنظيمية ومكاسب حركية زائلة، وعلى العالم أن يرابط على قلمه الذي يوقّع به عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يوقع إلا على حق، ولا يخاف في الله لومة لائم، فإن الأعين ناظرةٌ إناه، وإن الآذان تصغي لفتواه، وإن أصبع المجاهد على رشاشه ينتظر ماذا يقول العالم، وإن القائد في الميدان يريد إجازة الخطة العسكرية يصغي لما يقوله العالم، وعلى من تكفل أهل المجاهد ألا يفرط فيهم وأن يقدمهم على نفسه، فإن المجاهد ما خرج إلا وقد أوكلهم بعد الله تعالى إليك، وعلى من أسبغ الله تعالى عليه رداء المال أن ينفق منه راجياً أن ينال فضل المجاهد وأجره وإن لم ينل حكمه، وعلى من ضاق عليه الأمر في خروجٍ أو ردءٍ أن لا يبرح يدعوا ربه ويتمنى الخروج صادقاً من قلبه فإن الله يبلغه ذلك، وعلى النساء أن يكففن عن أزواجهن فلا يرهقوهم بما لا طائل منه من متاع الدنيا الزائل، ولتنشغل أرحامهن بصناعة الشهداء، ولتنشغل قلوبهن وألسنتهن بالضراعة والدعاء إلى الله عز وجل أن يتخذ من ولدها وزوجها مجاهداً أو شهيداً، وعلى الأبوين ألا يضنوا على الله بفلذات أكبادهم ما لم يكونوا معذورين لا يستطيعون حيلةً ولا سبيلاً، وعلى كل مسلم مفارقٍ لجماعة المسلمين ببدنه أن يهجر ديار الكفر وينضم إلى سواد الأمة اليوم قبل أن لات حين ندم، عسى أن يلحقه شيء من روح الصحوة التي انبعثت في جسد الأمة اليوم، وعسى أن تناله وشيجة الولاء الإيماني المنقطعة بسبب إقامته بين ظهراني الكفار المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى كل فتى وفتاة ناشئين في هذه الأمة العظيمة أن يرتقوا بأهدافهم وطموحاتهم اليوم، وأن يتساءلوا عن حاجة الأمة إليهم، فتباً لمالٍ نجمعه فلا يزيدنا من الله إلا بُعداً، وتباً لشهادةٍ علمية نحوزها لنوظفها في مصانع الكفر وأقبية السياسة الصليبية، ومرحى بشاب نشأ في طاعة الله، وشابة نشأت في رحاب مدرسة النبوة، فانكبا على أوامر الله عز وجل يجهضان بها أوامر الشيطان وجنده، وهكذا فلن يعدم أحدنا اليوم أن يتخذ لنفسه في هذه المعركة موقعاً، ثم ليحدث نفسه بالثبات والرباط على هذا الموقع كما أمر رسولنا وقائدنا صلى الله عليه وسلم الرماة أن يلتزموا موقعهم، فإن المعركة لا تزال في بدايتها، وإنه لم يحن وقت جمع الغنيمة بعد، فلنوطن أنفسنا إذاً على أن لا ندع رباطاً إلا إلى رباط خير منه، وأن لا ننشغل بغاية إلا غايةً أسمى مما نحن فيه، وإننا والله لنجد ريح الجنة من هاهنا وهاهنا، فالزموا مكانكم، واعلموا أن أشد الرباط ما كان على ثغر التقوى، فإنه هو الذي أتعب من سبقنا، وهو الذي نجى به الله تعالى من نجى من سلفنا، ثم لنعلم أن لا عزة لنا إلا بذلٍ نطرح به أنفسنا بين يدي الله عز وجل، وسيفٍ نصون به جناب التوحيد، ونرفع به لواء إمام الغر المحجلين، والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون...
--------------------------------------
[1] سورة الحج - آية 37
[2] سورة آل عمران - آية 152
================
مكانة علم الطب
عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله السدحان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، مَنْ يهده الله فلا مضل له ، ومَنْ يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد :
فإن من المعلوم لدى العقلاء أن علم الطب ومهنته تتبوأ مكانة رفيعة بين العلوم ، ويُكسى صاحبها هيبة تليق به بحسب علمه وحذقه .
ويزيد هذا تأكيداًَ ما للطب من علاقة جذرية بحياة الناس ، فمن من الناس لا يمرض ولا يعتل ؟ ومَنْ مِنَ الناس لا يعتري صحته سقم ولا نصب ؟ فكل الناس كذلك - إلاّ من شاء الله - لذا ترى الناس يهرعون إلى طلب الاستطباب طمعاً في الشفاء ، ويتحملون في ذلك الغالي والنفيس ، وكل ذلك يهون أمام نعمة الصحة والعافية .
لذا ، كان لعلم الطب مكانته ومنزلته وقد بّين ذلك الإمام الشافعي - رحمة الله تعالى - بعبارة موجزة فقال :
(( إنما العلم علمان : علم الدين وعلم الدنيا . فالعلم الذي للدين هو الفقه والعلم الذي للدنيا هو الطب )).
وفي رواية ثانية عنه . قال (( لا أعلم بعد الحلال والحرام أنبل من الطب ، إلاَّ أنّ أهل الكتاب قد غلبونا عليه )).
وفي رواية ثالثة عنه أنه كان يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول : (( ضيعوا ثلث العلم ووكلوا إلى اليهود والنصارى )) [آداب الشافعي ومناقبه للرازي] . فرحم الله الإمام الشافعي ما أدق وصفه وأبلغ لفظه ، وانظر يا رعاك الله إلى قوله عن أهل الكتاب أنهم غلبوا على علم الطب ، ثم انظر إلى تلهفه وحسرته على تفريط المسلمين وصدق رحمه الله تعالى .
ولعل مَنْ يقرأ " كتاب طبقات الأطباء والحكماء لسليمان بن حسان الأندلسي ت 377" يرى مصداق كلام الشافعي رحمه الله تعالى .