تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سابعاً: قاعدة جليلة في رد التنازع إلى الله ورسوله:

ولقد تركنا المسك للختام حيث إنه مهما أعيت المنافحَ عن السنة الحيلةُ في رد الخصوم وبيان تهافت الضلالات فإن له ملاذاً آمناً لا يخذله البتة ألا وهو قوله تعالى:" ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً"(النساء 59)، ومعلوم أن هذا التحاكم إنما ينضبط بمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما تقدم في قوله تعالى:" ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيراً"(النساء- 115)، قال الإمام أحمد رحمه الله: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم"(أصول السنة)، ولهذا فإنك مهما وجدت صاحب فرقة وهوى يزعم الانتساب إلى الكتاب والسنة فإنك لن تجده ينتسب إلى منهج الصحابة البتة بل إن علامة أهل الفرقة ترك منهج الصحابة وأمامك تاريخ الفرق وأهل الأهواء تأمله وراجعه لتوقن أن أحداً منهم لا ينتسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ناهيك عن أن ينتسب إليهم بأصلهم البدعي المفارق، فمهما لب!

َّس عليك هؤلاء بتأويل آية متشابهة أو حمل حديث على غير وجه الحق فخاصمهم بسنن الصحابة رضوان الله عليهم فإن كان لهم فيهم سلف وإلا، فهم صدر هذه الأمة ؛ إجماعهم حجة لازمة واختلافهم رحمة واسعة، ولن تجد الحق خارجاً عن محموع أقوالهم البتة، فتأمل.

وبعد، فإن هذا الموضوع من المواضيع الدقيقة والحرجة ولست أدعي أبداً أنني وفيتها حقها بل أقول إن كل ما قدمت أعلاه محاولة لوضع بعض المعالم العامة لمنهج التعامل مع فتنة أهل الأهواء في زمن الفتنة وخفوت نور السنة بين الناس، وأقرر هاهنا أن ما كان مما عرضت صواباً فتوفيق من الله تعالى وحده، وأن ما كان منه خلاف الحق فالله ورسوله منه بريئان وأنا عنه راجع وعليه غير مُصِر، ولقد حاولت قدر الإمكان أن أقرر عموميات ومجملات بغية إمكان إسقاطها على أكبر شريحة من الواقع، ولا شك أن حيثيات كل جزئية من الواقع قد تتعلق بها من الملابسات ما يحتاج مزيد نظر وتأمل واجتهاد وتدقيق، وأذكر نفسي وإخواني في كل مكان سواء المرابطين على الثغور أم المنشغلين في التنظير والتوجيه لعموم الأمة بضرورة التشاور والتريث وعدم استعجال الأمور، ولنتذكر نحن أهل السنة والجماعة عظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، إذ لا فرق بيننا وبين من يمتحن الناس إن نحن امتحنا الناس، ولا فرق بيننا وبين من يكفِّر لأدنى مخالفة إن نحن كفَّرنا مثلهم، وليعلم ضرورة الالتزام الدقيق بأسماء وأحكام الشرع وما يترتب عليها من آثار، فمهما وسعك اسم المسلم فلا تَسِم الخصم بالفسق، ومهما وسع اسم الفاسق فلا تسم بالبدعة، ومهما وسع اسم المبتدع فلا تسم الخصم بالزندقة، ومهما وسعك اسم الزندقة فلا تسم خصمك بالكفر، وليعلم أن هذه الأسماء وضعت من أجل الحكم القضائي في الدنيا فيجب الاقتصار على ما ينبني عليه عمل منها، أما الحكم الدياني في الآخرة فليس إلا الإيمان أو الكفر ومرد علمه إلى الله تعالى وحده، فلا نتوسع ولا نسترسل في تنزيل أسماء وأحكام لا ينبني عليها عمل في زمن الفتنة كمن ينشغل بإقامة شهود الزنا مع انعدام الإمام الذي يقيم حده، ولست أقصد بهذا تعطيل الأحكام وإنما أقصد الحذر من التوسع في إطلاق الاسماء جزافاً دون مرجعية وسلطة تقيم وتلزم بما يترتب على هذه الأسماء من آثار، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

==============

موافقة الكفار في أعيادهم

عبد الوهاب الناصر الطريري

السؤال

ما الأدلة على تحريم المشاركة في أعياد الميلاد ورأس السنة، ونحوها من المناسبات وما وجه دلالتها ؟

الجواب

من أوسع من تكلم في هذه المسألة وبسطها شيخ الإسلام (ابن تيمية) في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ، وقد حشد لذلك الأدلة العامة والخاصة، وجمع النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف وإجماع الأمة، والأدلة من الاعتبار والنظر مما لا يحيط به إلا من آتاه الله بسطة في العلم والفقه، ودقة النظر، وحسن الاستدلال، وهو ما جمعه شيخ الإسلام - رحمه الله -.

وأصل كلامه مبسوط واسع مفصل، فاختصرته في هذه الصفحات اختصاراً مع المحافظة على عبارته -ما أمكن- وهي صفحات تغري بالرجوع إلى أصلها ولا تغني عنه، يتضح من خلالها حكم هذه المسألة مزيلة كل لبس، كاشفة كل التباس .

قال رحمه الله :

موافقة الكفار في أعيادهم لا تجوز من طريقين: الدليل العام، والأدلة الخاصة:

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٢٣٩