تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن جهة أخرى قسم البعض العلة إلى علة تامة وعلة غير تامة ، فالعلة التامة : هي التي تستلزم الحكم ويدور معها وجودا وعدما بحيث إذا وجدت وجد الحكم ولا يتخلف عنها ، فيدخل في لفظ العلة على هذا توفر الشروط وعدم الموانع ، أما غير التامة : فهي ما يقتضي الحكم ، لكن يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع ، وهذه يسميها من يقسم هذا التقسيم بالسبب .

فالأولى ما لا يتخلف الحكم عنها ، والثانية ما يحتمل تخلفه لقيام مانع أو عدم شرط .. فالمسألة اصطلاحية تبعا لارتباط العلة أو السبب بالشروط والموانع .. وانظر الفتاوى (21/204) .

(41) أنظر اصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص118 ومثلوا لذلك بمن طلق زوجته رجعيا بثبوت الرجعة له ولو قال عند الطلاق : ( لا رجعة لي ) أو بمن سافر في رمضان بأنه يباح له الفطر سواء أقصد إلى الإباحة أم لم يقصد ..الخ ، فالأحكام كما تقدم تدور مع عللها وأسبابها وجودا وعدما .

(42) الربيبة : بنت الزوجة من غير الزوج الذي معها .

(43) انظر في موضوع تعليل الحكم بعلتين أو أكثر وتفريعاته كتب الأصول المختلفة ، وانظر أيضا مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (20/94) فصاعدا .

================

التكفير بناء على قاعدة (الأصل في الناس الكفر) لأن الدار دار كفر

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير؛ التكفير بناء على قاعدة (الأصل في الناس الكفر) لان الدار دار كفر ومعاملتهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بناء على هذه القاعدة ، التي أصلوها تفريعاً على أن الدار دار كفر ، وهذا أمر منتشر بين كثير من الغلاة ، وقد تحمله بعض الجهال عنهم دون أن يعرفوا أصله وتبعاته ، ونحن ولله الحمد والمنة لم نقل بهذا التأصيل ولا تبنيناه في يوم من الأيام ، بل كنا -ولازلنا- من أشد المنكرين له ، حتى كفرني بعض غلاة المكفرة ، لما خالفتهم فيه ، وناظرتهم في إبطاله ، ويومها لم أجد عندهم ما يحتجون به لتأصيلهم هذا ، إلا عبارة مبتورة لشيخ الإسلام ابن تيمية اقتطعوها من فتوى له حول بلدة ماردين ، وهي قوله فيها : ( ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ) وقد حرفوها فجعلوها ( دار الكفر التي أهلها كفار ) فخرجوا من ذلك أن كل دار كفر - ولو كانت طارئة حادثة لا أصلية - فأهلها كلهم كفار ، إلا من عرفوا تفاصيل معتقده .. وقد بينت لهم يومها أن هذه اللفظة - خصوصا في ماردين وأمثالها من دور الكفر الطارئة - ما هي إلا اصطلاح للفقهاء للدار التي غلب عليها الكفار وعلتها أحكامهم .. ولا دخل لقاطنيها بوصف الكفر إلا من ارتكب سببا من أسباب التكفير .. وذكرت لهم بعض التفصيل الآتي ، ولكنهم لم يرفعوا بذلك رأسا ، وأصروا على التمسك بتلك العبارة .. فعجبت كيف يقلب الهوى الموازين ، ويجعل من يقر بعدم حجية قول الصحابي ولا يقبل قول غيره من أهل القرون الثلاثة المفضلة في فرع من الفروع ، يحتج بقول مبتور مقتطع من كلام عالم في القرن السابع ، وفي مسألة هي من أخطر أبواب الدين ، عندما يظن أن ذلك القول يوافق هواه ، أو يحقق رغبته وحاجته .. !! مع أنهم يقرون بأن جميع الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج لكلامهم ولا يحتج به ، ويحتاج إلى الدليل والبرهان وليس هو وحده بدليل ولا برهان ..

وقد بين الله عز وجل بعض دوافع النفس وأهوائها ، في الاندفاع نحو التكفير والتسرع فيه أحيانا ، في قوله تعالى : (( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا )) ؛ فقال : ((تبتغون عرض الحياة الدنيا )) .. وكذلك كانت رغبات أولئك الأغرار الذين كنت أناظر بعضهم ، فقد كانوا يتحينون أسهل وأقرب فرصة لانتهاب أو سرقة ما يقع تحت أيديهم من أموال وممتلكات من حكموا عليهم بالكفر ، حتى وإن كانوا من الدعاة والمجاهدين ، أو من المسلمين المستضعفين ، فأموالهم عندهم غنائم ، وقد شاهدت من ذلك أمثلة ، وفي آخر الأمر اقتتلوا هم فيما بينهم واختلفوا على بعض الأموال ..!!

أسأل الله تعالى أن يهديهم سواء السبيل ، وأن يجنب شباب المسلمين هذه الفتن المضلة .. ‍إذ الجرأة على تكفير المسلمين وإباحة دماء الموحدين وأموالهم من غير موجب شرعي ، لا تقدم عليه إلا النفوس المريضة التي لم تشم رائحة الورع والتقوى ..

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ).

وقال أيضا فيما يرويه البخاري ومسلم : ( لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) رواه البخاري من حديث ابن عمر

وفيه : وقال ابن عمر : ( إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله )

وفي البخاري أيضا سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك ، قال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟

فقال : ( من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم )

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٩٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٩٣٧