الوجه الأوَّل: أنَّ الاحتجاج بهذه الكلمة غير صحيح ؛ لأنَّ الذي قالها الإمام أبو حنيفة ، كما نقل مقولته عنه ابن حزم ـ رحمه الله ـ :( ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين ، وما جاء عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسمعاً وطاعة ، وما جاء عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ تخيَّرنا من أقوالهم ، ولم نخرج عنهم ، وما جاء من التابعين فهم رجال ونحن رجال)[الإحكام لابن حزم4/573]فأبو حنيفة حين قال هذه الكلمة ، فقد قالها لأنَّه يصنَّف من التابعين ، حيث رأى أنس بن مالك ، واجتمع مع جمهرة من التابعين الأكابر، فيصدق عليه أنّه رجل وهم رجال لأنَّه هو وهم من التابعين ، ومن لنا بعلم أبي حنيفة في هذا العصر ، لنقول فيه: هو رجل وهم رجال!
الوجه الثاني: أنَّ هناك فرقاً عظيماً بين هؤلاء الرجال العصريين ، ومن قبلهم من الرجال السابقين ، لأنَّ التابعين هم من القرون المفضَّلة ، التي امتدحها رسول الله ؛ وهو ما أدَّى بابن رجب إلى أن يؤلِّف كتاباً بعنوان:(فضل علم السلف على علم الخلف) ولذا فإنَّ كلام السلف قليل كثير البركة ، وكلام الخلف كثير قليل البركة.
الوجه الثالث: أنَّ من يدَّعي أنَّه رجل ينبغي عليه أن يعرف قدره وقدر الرجال الذين سبقوه ، وإذا كان أبو عمرو بن العلاء يقول:(ما نحن فيمن مضى إلاَّ كبقل في أصول نخل طوال)[سير أعلام النبلاء6/407] مع أنَّ أبي عمرو يعدُّ في عُرف أهل السير شيخَ القرَّاء والعربية.
فهؤلاء المدَّعون للعلم والشيخوخة في طلبه ، لم يعرفوا قدر علمائهم ، وإذا كانوا يعدُّون أنفسهم أنَّهم رجال ، فإنَّ الرجال يحترم بعضهم بعضاً ، وأوْلى بهؤلاء المدَّعين للرجولة أن يقال في حقِّهم ما قاله الشيخ عبدالرزاق عفيفي لأحدهم حين ادَّعى أمامه تلك الدَّعوى قائلاً له : نعم ... هم رجال ... وأنت دجَّال!!
ورحم الله مجاهداً حين قال:(ذهب العلماء فلم يبق إلاَّ المتكلِّمون ، والمجتهد فيكم كاللاعب فيمن كان قبلكم)[أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم/66]فالله المستعان.
وفي الختام:
فإنَّ مريد الحق ، ومبتغي سبل الهدى ، ينبغي أن يحتاط في الأخذ لدينه ، وأن يعرف من يؤخذ عنهم العلم ، وما صفاتهم ، وقد كان علماؤنا الأجلاَّء يُعْنَوْنَ بهذه القضيَّة أشدَّ الاعتناء ؛ فقد قال الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ:(إنَّ هذا العلم دين ؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم) [شرح مسلم للنووي1/84].فليس كلُّ من لبس لباس العلم يؤخذ عنه ، وليس كلُّ من صدَّره الإعلام والفضائيَّات والصحف يُظَنُّ أنَّه ذلك الرجل الخِرِّيت الذي فقه دين الله ، ورضي بمقتضاه ، وألمَّ بفحواه ، وليس كلُّ من كتب مقالاً أو بحث مسألة شرعيَّة أو كتب كتاباً يعدُّ عالماً أو طالباً للعلم ، أو مؤهَّلاً لأن يؤخذ عنه العلم ، ويكفي أنَّ أئمتنا قالوا: ليس العلم بكثرة الرواية والدراية ، ولكنَّه نور يقذفه الله في قلب المؤمن الموفَّق ، مصداقاً لقوله تعالى:(واتَّقوا الله ويعلِّمكم الله) [سورة البقرة/282] قال الإمام ابن القيِّم:
والعلم يدخل قلب كلِّ موفَّق *** من غير بوَّاب ولا استئذان
ويردُّه المحروم من خذلانه *** لا تشقنا اللهم بالخذلان
فاعرف يا ابن الإسلام دينك ، واختر لنفسك عالماً متفقِّهاً في دين الله تنهل منه العلم ، وتأخذ عنه الفتوى ، وإيَّاك ومشايخ السوء ؛ فعنهم ابتعد ، ولهم خالف ، وعلى آرائهم فاضرب ، متأسِّياً بقول العربي الأصيل : ( ليس ذا عشَّك فادرجي ).
كتبت هذا المقال مذكِّراً بأهمِّيَّة هذه القضيَّة ، ومنبِّهاً لها في زمن قلَّ فيه من يعطي لأهل العلم الربَّانيين قدرهم ، ويعرف علمهم ، وما أنا ـ والله ـ إلاَّ رجل مستفيد من بضاعتهم ، متطفِّل على موائدهم ، فرحمني الله برحمته، وجعلني ممَّن يهتدي بهدي نبيِّه وصحابته.
أسير خلف ركاب النُّجب ذا عرج *** مؤمِّلاً كشف ما لاقيت من عوج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا *** فكم لربِّ الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعاً *** فما على عَرَجٍ من ذاك في حرج
سائلاً المولى أن يعصمنا من الفتن ، وأن يحفظنا من زلل القول والعمل ، والحمد لله ربِّ العالمين.
-==============
52 نقلا عن العلماء
في حكم مظاهرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فهذه نقولات عن أهل العلم تبين حكم مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم بالسلاح أو المال أو الرأي .
وقد جاء النص الصريح من كتاب الله عز وجل على أن من اتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين أنه : منافق .. لا يؤمن بالله ولا بالنبي وما أنزل إليه .. وأنه من جملة الكفار الذي والاهم ونصرهم.
1- قال تعالى: " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا".[النساء:138،139].